محمد هادي معرفة

44

التمهيد في علوم القرآن

ويعقب ذلك بأنّ هذه كانت دلائل إعجاز القرآن ، ومزايا ظهرت في نظمه وسياقه ، بهرت العرب الأوائل ، فهل ينبغي للفتى الذكي العاقل أن يكون مقلّدا في ذلك ، أم يكون باحثا ومتتبعا كي يعلم ذلك بيقين ؟ يقولون أقوالا ولا يعلمونها * ولو قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا « 1 » ومن ثمّ وضع كتابه الحاضر ( دلائل الإعجاز ) ليدلّ الناشدين على ضالّتهم ، ويضع يدهم على مواقع الإعجاز من القرآن ، ويدعم مدعاه في ذلك بالحجة والبرهان . والرائد لا يكذب أهله . قال : وبذلك قد قطعت عذر المتهاون ، ودللت على ما أضاع من حظّه ، وهدايته لرشده . . « 2 » . وقال - في رسالته الشافية - : كيف يجوز أن يظهر في صميم العرب وفي مثل قريش ذوي الأنفس الأبية والهمم العلية والأنفة والحمية من يدّعي النبوّة ويقول : وحجّتي أنّ اللّه قد أنزل عليّ كتابا تعرفون ألفاظه وتفهمون معانيه ، إلّا أنّكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله ولا بعشر سور منه ولا بسورة واحدة ، ولو جهدتم جهدكم واجتمع معكم الجنّ والإنس . ثم لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوه ويبيّنوا سرفه في دعواه ، لو كان ممكنا لهم ، وقد بلغ بهم الغيظ من مقالته حدّا تركوا معه أحلامهم وخرجوا عن طاعة عقولهم ، حتى واجهوه بكلّ قبيح ولقوه بكلّ أذى ومكروه ووقفوا له بكلّ طريق . وهل سمع قطّ بذي عقل استطاع أن يخرس خصمه بكلمة يجيبه بها ، فيترك ذلك إلى أمور ينسب معها إلى ضيق الذرع وأنّه مغلوب قد أعوزته الحيلة وعزّ عليه المخلص ، وهل مثل هذا إلّا مثل رجل عرض له خصم فادّعى عليه دعوى خطيرة وأقام على دعواه بيّنة ، وكان عند المدّعى عليه ما يبطل تلك البيّنة أو يعارضها ، فيترك إظهار ذلك ويضرب عنه الصفح جملة ، ليصير الحال بينهما إلى جدال عنيف وإخطار بالمهج والنفوس . . . قال : هذه شهادة الأحوال ، وأما شهادة الأقوال فكثيرة . . . « 3 »

--> ( 1 ) البيت لأبي الأسود الدولي . ( 2 ) دلائل الاعجاز : ص 29 . ( 3 ) الشافية ، المطبوعة ضمن ثلاث رسائل : ص 120 - 122 .