محمد هادي معرفة

38

التمهيد في علوم القرآن

فقهاء في الدين . . . فإذا قد عرفت هذه الأصول ، تبيّنت أنّ القوم إنّما كاعوا « 1 » وجبنوا عن معارضة القرآن لما قد كان يئودهم ويتصعّدهم منه ، وقد كانوا بطباعهم يتبيّنون مواضع تلك الأمور ويعرفون ما يلزمهم من شروطها ومن العهدة فيها ، ويعلمون أنّهم لا يبلغون شأوها « 2 » فتركوا المعارضة لعجزهم ، وأقبلوا على المحاربة لجهلهم ، فكان حظّهم ممّا فرّوا إليه حظّهم ممّا فزعوا منه ، فغلبوا هناك وانقلبوا صاغرين ، والحمد للّه ربّ العالمين « 3 » . وقال - في خاتمة الرسالة - : في إعجاز القرآن وجه آخر ذهب عنه الناس ، فلا يكاد يعرفه إلّا الشاذّ من آحادهم ، وذلك صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس ، فإنّك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا ، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في الحال ، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه ، تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور ، حتى إذا أخذت حظّها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق ، وتغشّاها الخوف والفرق . تقشعرّ منه الجلود ، وتنزعج له القلوب ، يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها ، فكم من عدوّ للرسول ( صلّى اللّه عليه وآله ) من رجال العرب وفتّاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله فسمعوا آيات من القرآن ، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحوّلوا عن رأيهم الأوّل ، وأن يركنوا إلى مسالمته ويدخلوا في دينه ، وصارت عداوتهم موالاة ، وكفرهم إيمانا . بعث الملأ من قريش عتبة بن ربيعة إلى رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) ليوافقوه على أمور أرسلوه بها فقرأ عليه رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) آيات من حم

--> ( 1 ) كان عن الشيء : هابه وخاف عن مقابلته . ( 2 ) الشأو : الأمد ، الغاية . ( 3 ) المصدر : ص 29 - 35 .