محمد هادي معرفة
34
التمهيد في علوم القرآن
وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ « 1 » وكقوله سبحانه : قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ « 2 » ونحوهما من الأخبار التي صدقت أقوالها مواقع أكوانها . . . قلت : ولا يشك في أنّ هذا وما أشبهه من أخباره نوع من أنواع إعجازه ، ولكنّه ليس بالأمر العامّ الموجود في كلّ سورة من سور القرآن ، وقد جعل سبحانه في صفة كلّ سورة أن تكون معجزة بنفسها ، لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثلها ، فقال : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ « 3 » . من غير تعيين ، فدلّ على أنّ المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه . وزعم آخرون أنّ إعجازه من جهة البلاغة ، وهم الأكثرون من علماء أهل النظر ، وفي كيفيّتها يعرض لهم الإشكال ، ويصعب عليهم منه الانفصال . ووجدت عامّة أهل هذه المقالة قد جروا في تسليم هذه الصفة القرآن على نوع من التقليد ، وضرب من غلبة الظنّ دون التحقيق له وإحاطة العلم به . ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التي اختصّ بها القرآن الفائقة في وصفها سائر البلاغات ، وعن المعنى الذي يتميّز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة ، قالوا : إنّه لا يمكننا تصويره ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام . قالوا : قد يخفى سببه ( سبب التفاضل بين كلامين ) عند البحث ، ويظهر أثره في النفس ، حتى لا يلتبس على ذوي العلم والمعرفة به . قالوا : وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع وهشاشة في النفس لا توجد مثلها لغيره منه ، والكلامان معا فصيحان ، ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علّة . . . . قلت : وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم ، ولا يشفي من داء الجهل به ، وإنّما هو إشكال أحيل به على إبهام .
--> ( 1 ) الروم : 3 . ( 2 ) الفتح : 16 . ( 3 ) البقرة : 23 .