محمد هادي معرفة
323
التمهيد في علوم القرآن
فجاء حسان إلى أبي بكر - وهو يعرف أنساب قريش ومساوئ أمهاتهم - فتعرّف منه ما هداه إلى هجوهم بما أعجزهم وأداخ قريشا ، فعرفوا أنّ ذلك من دلالة ابن أبي قحافة . فمن ذلك قوله في أبي سفيان : وأنّ سنام المجد من آل هاشم * بنو بنت مخزوم ووالدك العبد ومن ولدت أبناء زهرة منهم * كرام ولم يقرب عجائزك المجد ولست كعباس ولا كابن أمّة * ولكن لئيم لا تقام له زند وأنّ أمرنا كانت سميّة امّه * وسحراء مغمور إذا بلغ الجهد فلمّا بلغ ذلك أبا سفيان قال : هذا شعر لم يغب عن ابن أبي قحافة . قال ابن سيرين : انتدب لهجو رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) أربعة ( ذكرناهم ) وانتدب لهجو المشركين ثلاثة : حسان وكعب بن مالك وعبد اللّه بن رواحة . فكان حسان وكعب يعارضانهم مثل قولهم في الوقائع والأيام والمآثر ويذكرون مثالبهم . أمّا ابن رواحة فكان يعيّرهم بكفرهم وعبادة ما لا يسمع ولا ينفع ، فكان قوله أهون عليهم . قال الأصمعي : الشعر نكد ، يقوى في الشرّ ويسهل ، فإذا دخل في الخير يضعف فقد كان حسّان من فحول شعراء الجاهلية ، فلمّا جاء الإسلام سقط شعره . وقيل لحسان : لان شعرك وهرم يا أبا حسام ( لأنّ حسانا دخل الإسلام وقد تجاوز عمره الستّين ) فقال : يا ابن أخي إنّ الإسلام يحجز عن الكذب ، وذلك لأنّ الإجادة في الشعر إنّما هي في الإفراط ، وهو كذب يمنعه الإسلام . وكان حسان من أجبن الناس ، حتى أنّ النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) جعله مع النساء في الآطام « 1 » يوم الخندق وكانت صفية عمّة النبي ( صلى اللّه عليه وآله ) بنت عبد المطلب في فارع « 2 » حصن حسان بن ثابت . قالت : وكان حسان معنا فيه
--> ( 1 ) جمع الأطم - بضمتين - بمعنى الحصن . ( 2 ) الفارع : المكان المرتفع .