محمد هادي معرفة
311
التمهيد في علوم القرآن
منها « 1 » وقد أنشدت شعرها للنابغة في سوق عكاظ فأعجب به وقال لها : لولا أنّ هذا الأعمى ( يعني الأعشى ) أنشدني قبلك لفضّلتك على شعراء هذا الموسم . وأكثر شعرها في رثاء أخيها صخر ، كان قد قتل في وقعة يوم الكلاب كان غزا بني أسد فطعنه أبو ثور الأسدي طعنة مرض منها حولا ثمّ مات ، وكان حليما جوادا محبوبا لدى قومه . ومن شعرها في رثاء أخيها صخر : أعينيّ جودا ولا تجمدا * ألا تبكيان لصخر الندى ألا تبكيان الجريّ الجميل * ألا تبكيان الفتى السيّدا طويل النجاد عظيم الرماد * وساد عشيرته أمردا ومن قولها فيه : وأنّ صخرا لمولانا وسيّدنا * وأنّ صخرا إذا نشتو لنحّار أشمّ أبلج يأتمّ الهداة به * كأنّه علم في رأسه نار قدمت على رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) في وفد بني سليم ، فذكروا أنّ رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) كان يستنشدها ويعجبه شعرها . فكانت تنشده
--> ( 1 ) ويدلّك على ذلك شاهدا قصة نقدها في عكاظ على حسان بن ثابت ، حين أنشدها قوله : لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ولدنا بني العنقاء وابن محرق * فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما فقالت الخنساء : ضعّفت افتخارك وأبرزته في ثمانية مواضع . قال : وكيف ؟ قالت : قلت « لنا الجفنات » والجفنات ما دون العشر ، فقللت العدد ، ولو قلت « الجفان » لكان أكثر . وقلت « الغرّ » والغرة البياض في الجبهة ولو قلت « البيض » لكان أكثر اتساعا . وقلت « يلمعن » واللمع شيء يأتي بعد الشيء ، ولو قلت « يشرقن » لكان أكثر ، لأنّ الإشراق أدوم في اللمعان . وقلت « بالضحى » ولو قلت « بالعشيّة » لكان أبلغ في المديح ، لأنّ الضيف بالليل أكثر طروقا وقلت « أسيافنا » والأسياف دون العشر ، ولو قلت « سيوفنا » كان أكثر ، وقلت « يقطرن » ، فدللت على قلّة القتل ، ولو قلت « يجرين » لكان أكثر ، لانصباب الدم . وقلت « دما » والدماء أكثر من الدم . وفخرت بمن ولدت ولم تفتخر بمن ولدوك ! ( هامش إعجاز القرآن للرافعي : ص 225 ) .