محمد هادي معرفة

286

التمهيد في علوم القرآن

رآه وهو غلام مع أعمامه وفدوا على النعمان بن المنذر ، فتوسّم فيه الشاعريّة ، فسأل عنه فنسبوه ، فقال له : يا غلام ، إنّ عينيك لعينا شاعر ، أفتقرض « 1 » من الشعر شيئا ؟ قال : نعم يا عم ، قال : فأنشدني ، فأنشده « ألم ترجع إلى الدمن الخوالي . . . الخ » . فقال له : يا غلام ، أنت أشعر بني عامر ، زدني ، فأنشده : « طلل حولة في الرسيس قديم . . . الخ » . فضرب بيده على جبينه ، وقال : اذهب فأنت أشعر من قيس كلّها . وأكثر شعره في الجاهلية ، فقد شغله القرآن عن الشعر بعد الإسلام ذكروا أنّ عمر بعث إلى المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة ، يقول له : استنشد من قبلك من شعراء مصرك ما قالوا في الإسلام . فأرسل إلى الأغلب الراجز العجلي ، فقال له : أنشدني ، فقال : أرجزا تريد أم قصيدا * لقد طلبت هيّنا موجودا ثمّ أرسل إلى لبيد ، فقال : أنشدني ما قلته في الإسلام ، فكتب سورة من القرآن في صحيفة ثم أتى بها وقال : أبدلني اللّه هذا في الإسلام مكان الشعر . فكتب المغيرة بذلك إلى عمر ، فنقص من عطاء ، الأغلب وزاد في عطاء لبيد خمسمائة . وكان لبيد من أجواد العرب ، يقال أنّه آلى على نفسه في الجاهليّة أن لا تهبّ صبا إلّا أطعم . وكان قد أدامه في الإسلام ، كانت له جفنتان يغدو بهما ويروح في كلّ يوم على مسجد قومه فيطعمهم ، حتى كان أيام الوليد بن عقبة ، فقرب مهبّ الصبا وهو مملق لا يستطيع الوفاء بنذره . فبلغ ذلك الوليد ، فبعث إليه مائة بكرة من الإبل ، وكتب إليه بأبيات مطلعها : أرى الجزّار يشحذ شفرتيه * إذا هبّت رياح أبي عقيل . . . الخ فلمّا بلغت أبياته لبيدا ، قال لابنته : أجيبيه ، فلعمري لقد عشت برهة وما

--> ( 1 ) قرض الشعر يقرضه - من باب ضرب يضرب - : قاله . .