محمد هادي معرفة

281

التمهيد في علوم القرآن

الضرب الثالث : الاعتراض المفسد وهو المذموم المخلّ بفهم المقصود فيعقّده تعقيدا ، وأمثلة ذلك في باب تقديم ما حقّه التأخير وتأخير ما حقّه التقديم كثيرة ، وقد أولع بها الشعراء المتكلّفون ، فمن ذلك قول بعضهم : فقد - والشك - بيّن لي - عناء * بوشك فراقهم ، صرد يصيح « 1 » قال ابن الأثير ، فإنّ هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره لك ، وهو الفصل بين قد والفعل الذي هو « بيّن لي » وذلك قبيح لقوّة اتّصال « قد » بالفعل المدخول عليه ، بحيث يعدّ جزء متّصلا به . وأيضا فصل بين المبتدأ الذي هو الشك وبين الخبر الذي هو عناء بقوله « بيّن لي » . وفصل بين الفعل الذي هو « بيّن » وبين فاعله الذي هو « صرد » بخبر المبتدأ الذي هو عناء ، فجاء معنى البيت كما تراه مشوّها ومشوّشا ، كأنّه صورة مشوّهة قد نقلت أعضاؤها بعضها إلى مكان بعض « 2 » وجعل أيضا يمثل بأبيات شعريّة من العرب القديم ، لعلّنا نأتي عليها وعلى أمثالها في سائر أبواب البلاغة والبديع في قسم الدلائل على إعجاز القرآن ، وهو القسم الثاني من الكتاب إن شاء اللّه تعالى . ولعلّني في هذا العرض العريض قد أهبت وخرجت عن حدّ الاعتدال المتناسب مع وضع الكتاب . . . غير أن تحمّسات قوميّة ، وأخرى سفاسف كلاميّة ، ربّما كانت تحاول رفع منزلة كلام العرب الأوائل بما يضاهي سبك القرآن ونظمه البديع . . . فكان هذا وذاك من أخطر الأساليب لوهن موضع إعجاز هذا الكلام الإلهي وخرقة للمعتاد ! والعياذ باللّه . هذا ما دعاني إلى التكثير من شواهد الباب ، وإلّا فلا داعي للتعرّض لأشعار لا محتوى لها ولا وزن في عالم الكلام والاعتبار . ! واللّه الهادي .

--> ( 1 ) أصل تركيب الكلام : فقد بيّن لي صرد يصيح بوشك فراقهم ، والشك عناء . ( 2 ) المثل السائر لابن الأثير : ج 3 ص 40 - 48 ، وج 2 ص 227 .