محمد هادي معرفة
279
التمهيد في علوم القرآن
لكن أنصار الأصمعي لا يقرّون هذا الجواب ، إذ لا يصادق عليه العارفون بالأنساب والتأريخ ووصف « الأولى » في الآية معناه السابقة التي كانت قبل ثمود ، وليس يدلّ على أنّ هناك عادين . والوصف إنّما أتى به للإيضاح لا للاحتراز . . « 1 » . وضمّن ابن رشيق باب أغاليط الشعراء بابا ذكر فيه منازل القمر ، وعلّل ذلك بأنّه رأى العرب - وهم أولع الناس بهذه المنازل وأنوائها - قد غلطوا فيها ، فقال أحدهم : من الأنجم العزل والرامحة . . وقال امرؤ القيس : إذا ما الثّريّا في السماء تعرّضت * تعرّض أثناء الوشاح المفصل « 2 » فأتى بتعرّض الجوزاء ، وهكذا كلّ من عني بالنجوم من المحدثين ، واستوفى جميع المنازل مخطئ ، لا شك في خلافه ، لأنّه إنّما يصف نجوم ليلة سهرها . والنجوم كلّها لا تظهر في ليلة واحدة « 3 » . قال الزوزني : يقول : أتيتها عند رؤية نواحي كواكب الثّريا في الأفق الشرقي . . . ومنهم من زعم أنّه أراد الجوزاء فغلط وقال الثّريا ، لأنّ التعرّض للجوزاء دون الثّريا . وهذا قول محمد بن سلام الجمحي « 4 » . لكن اشكال ابن رشيق متوجّه إلى أولئك الشعراء الذين ذكروا مواقع النجوم دلائل على أوقات لقائهم للغواني أو سهرهم الليالي على طول الزمان ، وفي كلّ ليلة باستمرار . الأمر الذي يخالف مطالع النجوم الفصليّة غير المستديمة . . وإذا كان العرب المعنيّون بمطالع النجوم ومغاربها قد أخطئوا في تمثلاتهم الشعريّة هكذا أخطاء فادحة ، فما ظنك بسائر الشعراء وغيرهم من المحدثين . ؟ !
--> ( 1 ) هامش العمدة : ج 2 ص 426 . ( 2 ) التعرّض : الاستقبال وإبداء العرض . والمفصّل : الذي فصل بين خرزه بالذهب أو غيره . يقول : تجاوزت إليها في وقت إبداء الثريّا عرضها في السماء كإبداء الوشاح - وهي الجواهر للزينة - الذي فصل بين جواهره وخرزه بالذهب أو غيره عرضة . ( 3 ) العمدة : ج 2 ص 252 . ( 4 ) شرح المعلّقات للزوزني : ص 18 .