محمد هادي معرفة
27
التمهيد في علوم القرآن
يقتضي كذا . . وأيّما حال يقتضي خلافه . . . الخ « 1 » . وعليه فتزداد قوّة الكلام وصلابته وكذا روعة البيان وصولته ، كلّما ازدادت العناية بجوانبه اللفظية والمعنويّة من الاعتبارات المناسبة ، ورعاية مقتضيات الأحوال والأوضاع ، وملاحظة مستدعيات المقامات المتفاوتة ، على ما فصّله القوم . وقلّ من يتوفّق لذلك بالنحو الأتمّ أو الأفضل ، بل الأكثر ، ما دام الإنسان حليف النسيان . أمّا بلوغ الأقصى والكمال الأوفى ، الذي حدّ الإعجاز ، فهو خاصّ بذي الجلال المحيط بكلّ الأحوال . وفي ذلك يقول السكّاكي : « البلاغة تتزايد إلى أن تبلغ حدّ الإعجاز ، وهو الطرف الأعلى وما يقرب منه » « 2 » . ومنه أخذ الخطيب القزويني : « وللبلاغة في الكلام طرفان ، أعلى وهو حدّ الاعجاز وما يقرب منه ، وأسفل وهو ما إذا غيّر الكلام إلى ما دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات » « 3 » . إذن فالطرف الأعلى وما يقرب منه ، كلاهما حدّ الإعجاز ، على ما حدّده السّكاكي ، وبذلك يكون اختلاف مراتب آيات القرآن في الفصاحة والبيان ، كلّه داخلا في حدّ الإعجاز الذي لا يبلغه البشر . وهذا هو الصحيح ، على ما سنبيّن . وبعد ، فالمتلخّص من هذا البيان : أن التفاضل بين كلامين أو التماثل بينهما إنّما يتحقّق بهذه الاعتبارات - التي هي مقاييس لدرجة فضيلة الكلام - وهي من قبيل المعنى أكثر من كونها من قبيل اللفظ ، فليس المقصود بالتحدّي ، المعارضة في التشاكل اللفظي والتماثل في صورة الكلام فحسب ، كما حسبه مسيلمة الكذّاب ومن حذا حذوه من أغنياء القوم .
--> ( 1 ) مفتاح العلوم : ص 80 - 81 وص 84 . ( 2 ) مفتاح العلوم : ص 196 - 199 . ( 3 ) المطول للتفتازاني : ص 31 ( ط استنبول ) .