محمد هادي معرفة

245

التمهيد في علوم القرآن

له مجالس ومناظرات مع أرباب الأصول من أصحاب المذاهب ولا سيّما أهل الاعتزال ، فإنّ له نقدا حرّا على أصول مذهبهم في المعتقدات ، ومن ثم رمي بالزندقة والإلحاد . يقال : إنّه وضع كتابه ( الفرند ) طعنا في الدين ذكر فيه : « أنّ المسلمين احتجّوا لنبوّة نبيّهم بالقرآن الذي تحدّى به النبيّ فلم تقدر العرب على المعارضة . فيقال لهم : أخبرونا لو ادّعى مدّع لمن تقدّم من الفلاسفة مثل دعواكم في القرآن ، فقال : الدليل على صدق بطلميوس أو أقليدس ، أنّ أقليدس ادّعى أنّ الخلق يعجزون عن أن يأتوا بمثل كتابه ، أكانت نبوّته تثبت ؟ » « 1 » . لكن يظهر من مناظراته مع أرباب الجدل ، أنّ كلماته مثل هذه ، إنّما قالها جدلا وإفحاما لدليل الخصم ، لا لعقيدة الخلاف واقعا ، انظر إلى ما نقله صاحب كتاب ( معاهد التخصيص ) عن مناظرة وقعت بينه وبين أبي علي الجبائي ( رئيس المعتزلة في وقته ) ، قال له ابن الراوندي : ألا تسمع شيئا من معارضتي للقرآن ؟ قال الجبائي : أنا أعلم بمخازي علومك ، ولكن أحاكمك إلى نفسك ، فهل تجد في معارضتك له عذوبة وهشاشة وتشاكلا وتلاؤما ، ونظما كنظمه ، وحلاوة كحلاوته ؟ قال : لا واللّه . قال : قد كفيتني . فانصرف حيث شئت . قال الرافعي : أمّا ما قيل من معارضته للقرآن فلم يعلم منها شيء سوى هذه المناظرة « 2 » . قلت : على فرض صحّتها ، فهي صريحة في عقيدته بكبرياء القرآن وعظمته الخارقة ، ومن ثمّ فهي على العكس أدلّ ، وأنّه إنّما جارى الخصوم في أنّه هل يمكن المعارضة أم لا ؟

--> ( 1 ) تأريخ أبي الفداء ( المختصر في أخبار البشر ) : ج 2 ص 61 . ( 2 ) الإعجاز : ص 183 بالهامش .