محمد هادي معرفة

241

التمهيد في علوم القرآن

فقد شغلتني عن التفكّر في غيرها ! وقال عبد الملك : وأنا منذ فارقتكم كنت مفكرا في هذه الآية يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ « 1 » فلم أقدر على مناظرتها ! وقال أبو شاكر : وأنا أيضا منذ مفارقتي إيّاكم ظللت متفكّرا في هذه الآية لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا « 2 » . فلم أقدر على أن أماثلها ! فقال ابن المقفّع : يا قوم ، إنّ هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر ، وأنا مذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ « 3 » فلم أستطع ان آتى بنظيرتها ! قال هشام بن الحكم « 4 » وهو يراقب الجماعة : فبينما هم في ذلك ، إذ مرّ بهم الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السّلام ) وعلم ما هم فيه ، فقال لهم - متهكّما - قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 5 » . قال : فنظر القوم بعضهم إلى بعض ، وقالوا - معجبين بالأمر - : لئن كان للإسلام حقيقة ، وإلّا لما انتهت وصاية محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) إلى مثل جعفر بن محمد ( عليه السّلام ) واللّه ما رأيناه قطّ إلّا هبناه واقشعرت جلودنا لهيبته . ثم تفرّقوا مقرّين بالعجز « 6 » .

--> ( 1 ) الحج : 73 . ( 2 ) الأنبياء : 22 . ( 3 ) هود : 44 . ( 4 ) كان من أعاظم صحابة الإمام الصادق ( عليه السّلام ) مشهورا بالكلام وحسن المناظرة كان كوفيّا ونشأ بواسط واتّجر ببغداد . توفّي سنة 199 . ( 5 ) الإسراء : 88 . ( 6 ) الاحتجاج للطبرسي : ج 2 ص 142 - 143 . وأورد مختصره في بحار الأنوار : ج 89 ص 16 نقلا عن مختصر الخرائج : ص 242 .