محمد هادي معرفة
23
التمهيد في علوم القرآن
جمعاء ، تحدّيا مستمرا عبر الأجيال : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 1 » وهل وقع التحدّي بجميع وجوه الإعجاز ، أم كان يخصّ جانب فصاحته وبلاغته وبديع نظمه وعجيب أسلوبه فحسب ؟ ولعلّه يختلف حسب اختلاف الخطاب . . فحيث كان التحدّي متوجّها إلى العرب خاصة ، ولا سيّما ذلك العهد ، الذي كانت مهنة العرب فيه خاصة بجانب البيان وطلاقة اللسان . . . فلا جرم كان التحدّي حينذاك أيضا خاصّا بهذا الجانب في ظاهر الخطاب . . . أمّا وبعد أن توجّه النداء العامّ إلى كافة البشريّة على الإطلاق ، فإنّه لا بدّ أن يقع التحدّي بمجموعة وجوه الإعجاز من حيث المجموع . . حيث اختلاف الاستعدادات والقابليّات . . . والقرآن معجزة الإسلام ، لجميع الادوار وعامّة الأجيال ، ولمختلف طبقات الناس ، في الفنون والمعارف ، والعلوم والثقافات . . . التحدّي في شموله : وهذا التحدّي في عمومه يشمل كلّ الأمم وكلّ أدوار التأريخ ، سواء العرب وغيرهم ، وسواء من كان في عهد الرسالة أم في عهود متأخرة حتى الأبد . اللفظ عامّ والخطاب شامل « 2 » ولأنّ التحدّي لم يكن في تعبيره اللفظي فقط ليخصّ لغة العرب ، وإنّما هو بمجموعته من كيفيّة الأداء والبيان والمحتوى جميعا . كما أنّه
--> ( 1 ) الإسراء : 88 . ( 2 ) وبتعبير اصطلاحي أصولي : أنّ هذا الخطاب يضمّ إلى جانب عمومه الأفرادي إطلاقا احواليا وإطلاقا زمانيا معا ، إذن فللخطاب شمول من النواحي الثلاث : الأفراد الموجودين والأقوام الذين يأتون من بعد . وايّا كانت حالتهم وعلى أيّ صفة كانوا . . .