محمد هادي معرفة
195
التمهيد في علوم القرآن
قال : لا واللّه ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهّان ، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه « 1 » . قالوا : فنقول : مجنون ، قال : ما هو بمجنون . لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما بخنقه « 2 » . ولا تعالجه ولا وسوسته . قالوا : فنقول : شاعر ، قال : وما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كلّه رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر قالوا : فنقول : ساحر ، قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحّار وسحرهم ، فما هو بنفثهم ولا عقدهم « 3 » . قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : « واللّه إنّ لقوله لحلاوة ، وإنّ أصله لعذق « 4 » ، وإنّ فرعه لجناة وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلّا عرف أنّه باطل » . وإنّ أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرّق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته فتفرّقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم ، لا يمرّ بهم أحد إلّا حذّروه إيّاه ، وذكروا لهم أمره « 5 » . وكانوا إذا رفع النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) صوته بالقرآن ، جعلوا يصفّقون ويصفّرون ويخلطون بالكلام لئلّا تسمع قراءته . وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ « 6 » .
--> ( 1 ) زمزمة الكاهن : رنة صوته عند قراءة الأوراد على نحو ما تفعله الفرس عند شرب الماء من صوت مصيصة . ( 2 ) خنق المجنون : كناية عن بحة صوته ، وتعالجه : تعاطيه أمورا غير منتظمة كناية عن هذيه . ( 3 ) إشارة إلى ما كان يفعل الساحر بأن يعقد خيطا ثم ينفث فيه أي ينفخ ما يدمدمه من أوراد . ( 4 ) قال السهيلي : العذق بفتح العين النخلة . استعارة من النخلة التي ثبت أصلها وقوى ، وطاب فرعها إذا اجني أي اقتطف ثمرها . ( الروض الأنف : ج 2 ص 21 ) . ( 5 ) سيرة ابن هشام : ج 1 ص 288 - 289 . . ( 6 ) فصّلت : 26 .