محمد هادي معرفة

184

التمهيد في علوم القرآن

لو قال : إنّ معجزتي أن أضع هذه الرمّانة في كفّي ، وأنتم لا تقدرون على ذلك ، لم يكن تعجّب القوم من وضع الرمّانة في كفّه ، بل كان من أجل تعذّره عليهم ، مع أنّه كان مألوفا لهم ومقدورا عليه من جهتهم ، فلو كان كما زعمه أهل الصّرفة ، لم يكن للتعجّب من فصاحته وجه ، فلمّا علمنا بالضرورة إعجابهم بالبلاغة ، دلّ على فساد هذه المقابلة . البرهان الثالث : الرجع بالصرفة التي زعموها ، هو أنّ اللّه تعالى أنساهم هذه الصّيغ فلم يكونوا ذاكرين لها بعد نزوله ، ولا شك : أنّ نسيان الأمور المعلومة في مدّة يسيرة ، يدلّ على نقصان العقل ، ولهذا فإنّ الواحد إذا كان يتكلّم بلغة مدّة عمره ، فلو أصبح في بعض الأيام لا يعرف شيئا من تلك اللغة ، لكان ذلك دليلا على فساد عقله وتغيّره ، والمعلوم من حال العرب أنّ عقولهم ما زالت بعد التحدّي بالقرآن وأنّ حالهم في الفصاحة والبلاغة بعد نزوله كما كان من قبل ، فبطل ما عوّل عليه أهل الصّرفة ، وكلامهم يحتمل أكثر ممّا ذكرناه من الفساد ، وله موضع أخصّ به ، فلا جرم اكتفينا هاهنا بما أوردناه » « 1 » . كلمة عبد القاهر الجرجاني : وللشيخ عبد القاهر الجرجاني ردّ لطيف على القائلين بالصرفة ، أورده في رسالته ( الشافية ) وقد أوفى المطلب حقّه ، فأجدر به أن ينقل بلفظه قال : « اعلم أنّ الذي يقع في الظن من حديث القول بالصرفة أن يكون الذي ابتدأ القول بها ابتدأه على توهّم أنّ التحدّي كان إلى أن يعبّر عن أنفس معاني القرآن بمثل لفظه ونظمه دون أن يكون قد أطلق لهم وخيّروا في المعاني كلّها . ذاك لأنّ في القول بها على غير هذا الوجه أمورا شنيعة ، يبعد أن يرتكبها العاقل ويدخل فيها . وذاك أنّه يلزم عليه أن يكون العرب قد تراجعت حالها في البلاغة والبيان ، وفي جودة النظم وشرف اللفظ ، وأن يكونوا قد نقصوا في

--> ( 1 ) الطراز ( في أسرار البلاغة وحقائق الإعجاز ) : ج 3 ص 392 - 395 .