محمد هادي معرفة
18
التمهيد في علوم القرآن
والعقلي : ما يدرك بالبصيرة ، كالإخبار عن الغيب تعريضا وتصريحا ، والإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن غير تعلم . فأما الحسي : فيشترك في إدراكه العامة والخاصة ، وهو أوقع عند طبقات العامّة ، وآخذ بمجامع قلوبهم ، وأسرع لإدراكهم ، إلّا أنه لا يكاد يفرق - بين ما يكون معجزة في الحقيقة ، وبين ما يكون كهانة أو شعبذة أو سحرا ، أو سببا اتفاقيا ، أو مواطاة ، أو احتيالا هندسيا ، أو تمويها وافتعالا - إلّا ذو سعة في العلوم التي يعرف بها هذه الأشياء . وأما العقلي : فيختص بإدراكه كملة الخواص من ذوي العقول الراجحة ، والأفهام الثاقبة ، والروية المتناهية ، الذين يغنيهم ، إدراك الحقّ . وجعل تعالى أكثر معجزات بني إسرائيل حسيّا لبلادتهم ، وقلّة بصيرتهم ، وأكثر معجزات هذه الأمّة عقليا لذكائهم وكمال أفهامهم التي صاروا بها كالأنبياء . ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : « كادت أمتي تكون أنبياء » « 1 » . ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على وجه الدهر غير معرّضة للنسخ ، وكانت العقليات باقية غير متبدلة جعل أكثر معجزاتها مثلها باقية . وما أتى به النبي ( صلى اللّه عليه وآله ) من معجزاته الحسيّة ، كتسبيح الحصا في يده ، ومكالمة الذئب له ، ومجيء الشجرة إليه ، فقد حواها وأحصاها أصحاب الحديث . وأما العقليات : فمن تفكر فيما أورده ( عليه السلام ) من الحكم التي قصرت عن بعضها أفهام حكماء الأمم بأوجز عبارة اطلع على أشياء عجيبة . ومما خصه اللّه تعالى به من المعجزات القرآن : وهو آية حسيّة عقلية صامتة ناطقة باقية على الدهر مبثوثة في الأرض ، ولذلك قال تعالى :
--> ( 1 ) مسند أحمد : ج 1 ص 296 .