محمد هادي معرفة

154

التمهيد في علوم القرآن

قال الطبرسي : سلب قدرتهم على التكذيب ، بمعنى توفير الدلائل والبراهين القاطعة بحيث لا تدع مجالا للشك فضلا عن الردّ وإمكان التكذيب ، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ « 1 » . فقد توفّرت المعاني الضخمة ، وازدحمت المعارف الجليلة ، بين أحضان القرآن الكريم ، بما بهر العقول وطار بالألباب . . . الأمر الذي سلب قدرة المعارضة عن أيّ معارض متى رامها ، ولم يدع مجالا للتفكير في مقابلته لأيّ صنديد عنيد ، ما دام هذا الكتاب العزيز قد شمخ بأنفه على كلّ مستكبر جبّار عارض طريقه إلى الإمام . فلعلّ الشريف المرتضى أراد هذا المعنى ، وأنّ اللفظ مهما جلّ نظمه وعزّ سبكه ، فإنّه لا يبلغ مرتبة المعنى في جلاله وكبريائه ، والتحدّي إنّما وقع بهذا الأهمّ الأشمل ، قال : « فإن قال : الصرف عمّا ذا وقع ؟ قلنا : عن أن يأتوا بكلام يساوي أو يقارب القرآن في فصاحته وطريقة نظمه ، بأن سلب كلّ من رام المعارضة ، العلوم التي تتأتّى بها من ذلك . فإنّ العلوم التي بها يتمكّن من ذلك ضرورة من فعله تعالى بمجرى العادة . . . » « 2 » . تأمّل هذه العبارة وأمعن النظر فيها ، تجدها صريحة - تقريبا - في إرادة القدرة العلميّة ، التي هي حكمة إلهية يهبها لمن يشاء من عباده ، ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا . فهؤلاء حرموها مغبّة لجاجهم وعنادهم مع الحقّ . وهكذا فهم الأستاذ الرافعي تفسير مذهب السيد في الصرفة ، قال : وقال المرتضى من الشيعة : بل معنى الصرفة أنّ اللّه سلبهم العلوم . . التي يحتاج إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن . . فكأنّه يقول : أنّهم بلغاء يقدرون على مثل النظم والأسلوب ، ولا يستطيعون ما وراء ذلك ممّا لبسته ألفاظ القرآن من

--> ( 1 ) البقرة : 2 . ( 2 ) بنقل الشيخ في التمهيد ، وسيأتي تفصيله . وهكذا جاء في عبارة السيد من كتابه « الذخيرة » ص 380 .