محمد هادي معرفة
151
التمهيد في علوم القرآن
ثم يقال له : أليس التلاؤم معتبرا في تأليف حروف الكلمة المفردة ، على ما ذكرناه فيما تقدّم فلا بدّ من نعم ، فيقال له : فما عندك في تأليف كلّ لفظة من ألفاظ القرآن بانفراده ؟ أهو متلائم في الطبقة العليا أم في الطبقة السفلى ؟ فإن قال : في الطبقة العليا ، قيل له : أوليس هذه اللفظة قد تكلّمت بها العرب قبل القرآن وبعده ؟ ولولا ذلك لم يكن القرآن عربيّا ، ولا كانت العرب فهمته . فقد أقررت الآن أن في كلام العرب ما هو متلائم في الطبقة العليا ، وهو الألفاظ المفردة ، ولم يتوجه عليك في ذلك ما يفسد وجه إعجاز القرآن . فهلّا قلت في كلامهم المؤلّف من الألفاظ ما هو أيضا كذلك ؟ فإنّ علم الناظر بأحدهما كالعلم بالآخر . وإن قال : إنّ كلّ لفظة من ألفاظ القرآن متلائمة في الطبقة الوسطى ، قيل له أولا : إنّ مشاركة القرآن لطبقة ألفاظهم على هذا الوجه أيضا باقية ، ثم ما الفرق بينك وبين من ادّعى أنّ التلاؤم من ألفاظ القرآن في الطبقة الوسطى ، فإنّ أحد الموضعين كالآخر . على انّ اللفظة المفردة يظهر فيها التلاؤم ظهورا بيّنا بقلّة عدد حروفها واعتبار المخارج وإن كانت متباعدة كان تأليفها متلائما ، وإن تقاربت كانت متنافرا ، ويلتمس ذلك بما يذهب إليه من اعتبار التوسّط دون البعد الشديد والقرب المفرط . فعلى القولين معا اعتبار التلاؤم مفهوم ، وليس ينازعنا في كلمة من كلم القرآن إذا أوضحنا له تأليفها ، ويقول ليس هذا في الطبقة العليا ، إلّا ونقول مثله في تأليف الألفاظ بعضها مع بعض ، لأنّ الدليل على الموضعين واحد . فقد بان الذي يجب اعتماده أنّ التأليف على ضربين : متلائم ومتنافر ، وتأليف القرآن وفصيح كلام العرب من المتلائم . ولا يقدح هذا في وجه من وجوه إعجاز القرآن ، والحمد للّه « 1 » .
--> ( 1 ) سرّ الفصاحة : ص 89 - 90 .