محمد هادي معرفة
138
التمهيد في علوم القرآن
حقيقة مذهب الصرف : الصرف : مصدر « صرفه » بمعنى ردّه ، والأكثر استعماله في ردّ العزيمة ، قال تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ « 1 » . قال السيد شبّر : أي عن إبطال دلائلي . ومعناه - كما ذكره الطبرسي في المجمع - : سأفسخ عزائمهم على إبطال حججي بالقدح فيها وإمكان تكذيبها ، وذلك بوفرة الدلائل الواضحة والتأييد الكثير ، بما لا يدع مجالا لتشكيك المعاندين ولا ارتياب المرتابين . كما يقال فلان أخرس أعداءه عن إمكان ذمّه والطعن فيه ، بما تحلّى من أفعاله الحميدة وأخلاقه الكريمة . . . ومنه قوله تعالى - بشأن المنافقين - : ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ « 2 » . وهذا دعاء عليهم بصرف قلوبهم عن إرادة الخير ، لكونهم قوما حاولوا التعمية على أنفسهم فضلا عن الآخرين . . وعلى ذلك فقد اختلفت الأنظار في تفسير مذهب الصرف على ما أراده أصحابه ، قال الأمير يحيى بن حمزة العلوي الزيدي ( توفي سنة 749 ) : واعلم أنّ قول أهل الصرفة يمكن أن تكون له تفسيرات ثلاثة لما فيه من الإجمال وكثرة الاحتمال : التفسير الأوّل : أن يريدوا بالصرفة أنّ اللّه تعالى سلب دواعيهم إلى المعارضة مع أنّ أسباب توفّر الدواعي في حقّهم حاصلة من التقريع بالعجز ، والاستنزال عن المراتب العالية والتكليف بالانقياد والخضوع ، ومخالفة الأهواء . التفسير الثاني : أن يريدوا بالصرفة أنّ اللّه تعالى سلبهم العلوم التي لا بدّ منها في الإتيان بما يشاكل القرآن ويقاربه .
--> ( 1 ) الأعراف : 146 . ( 2 ) التوبة : 127 .