محمد هادي معرفة

128

التمهيد في علوم القرآن

ولا كبيرة إلّا أحصاها . وهو هدى ورحمة ونور وشفاء لما في الصدور . كلّ هذه صفات جليلة تؤثر على العقل والشعور والعواطف والميول ، فتتحكّم فيها تحكّم الملك في ملكه ولكنّه فوق ذلك كلّه ( روح من أمر اللّه ) تصل من روح الإنسان إلى حيث لا تصل إليه أشعة البلاغة والبيان ، ولا سيالات الحكمة ، والعرفان ، وتسري من صميم معناه إلى حيث لا يحوم حوله فكر ولا خاطر ، ولا يتخيّله خيال شاعر . هذه الروحانيّة تنفذ إلى سرّ سريرة الإنسان وسويداء ضميره ، وتستولي منها على أصل حياته ، ومهبّ عواطفه وإحساساته ، وتخلقه خلقا جديدا وتصوّره بصورة لا يتخيّلها ولو قيلت له لما أدركها . ألا ترى كيف فعلت بأولئك العرب الذين لبثوا الوفا من السنين على حالة واحدة لا يتحوّلون عنها ولا يسأمون منها ، فنفختهم بروح عالية قاموا بواسطتها يحمّلون الملوك سلطانهم حتى دانت لهم المعمورة من أقصاها إلى أقصاها . . ! أيّ حجّة أكبر من هذه الحجّة على أنّ القرآن روح إلهيّ وأمر سماويّ ، وأيّ وجه من وجوه الإعجاز بعد مشاهدة هذا الأثر الفخم أوقع في النفس وأنفى للشك وأولى بالقبول من وجه روحانيّته ؟ إنّ للقرآن فوق البلاغة والعذوبة والحكمة والبيان ، روحانية يدركها من لا حظّ له في فهم الكلام وتقدير الحكمة وإدراك البلاغة ، حتى الطفل والعامّي يعتريهما تهيّب عند تلاوته ، ويكادان يفرّقان بين ما هو قرآن وما ليس بقرآن ، فيما لو أراد التالي أن يغشهما . وهذا يظهر جليّا عندما تكون آية من آياته جاءت على سبيل الاستشهاد والاقتباس ، فإنّها تتجلّى لك من بين السطور وخلال التراكيب كالشمس في رائعة النهار . . قال : هذا رأينا في جهة إعجاز القرآن ، وهو فيما نعلم يحل مشاكل هذا البحث ، ويمكن الاستدلال عليه بالحسّ والواقع ، أمّا ما أولع به الناس من أنّه