محمد هادي معرفة
126
التمهيد في علوم القرآن
الطبع بالفكر والنظر . . . فلا يتهيأ لأحد من البلغاء في عصور العربيّة كلّها من معارض الكلام وألفاظه ، ما يتصرّف به هذا التصرّف في طائفة أو طوائف من كلامه ، على أن يضرب بلسانه ضربا موسيقيا ، وينظم نظما مطّردا . فهذا ان أمكن أن يكون في كلام ذي ألفاظ ، فليس يستقيم في ألفاظ ذات معان ، فهو لغو من إحدى الجهتين . ولو أنّ ذلك ممكن لقد كان اتفق في عصر خلا من ثلاثة عشر قرنا ، ونحن اليوم في القرآن الرابع عشر من تأريخ تلك المعجزة . . . . ثم أخذ في ضرب أمثلة من ألفاظ وكلمات كانت غريبة وثقيلة ، لكنّها جاءت في القرآن في مواقعها الخاصّة أليفة وخفيفة في أبدع ما يكون وأروع ما يتصوّر ، كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ « 1 » . وسنذكر تفاصيلها في مجاله الآتي إن شاء اللّه . 5 - وللأستاذ محمد فريد وجدي كلام في وجه إعجاز القرآن ، يشبه بعض الشيء من كلام الرافعي فيما نقلناه آنفا « فإن هذا القرآن هو ضمير الحياة ، وهو من اللغة كالروح ، الإلهية التي تستقرّ في مواهب الإنسان فتضمن لآثاره الخلود . . » « 2 » فقد أخذ الأستاذ وجدي هذا المعنى وشرحه شرحا ، قال : حصر المتكلّمون في إعجاز القرآن كلّ عنايتهم في بيان ذلك الإعجاز من جهة بلاغته ، وإنّنا وإن كنّا نعتقد أنّ القرآن قد بلغ الغاية من هذه الوجهة ، إلّا أنّنا نرى أنّها ليست هي الناحية الوحيدة لإعجازه ، بل ولا هي أكثر نواحي إعجازه سلطانا على النفس ، فإنّ للبلاغة على الشعور الإنساني تسلّطا محدودا لا يتعدّى حدّ الإعجاب بالكلام والإقبال عليه ، ثم يأخذ هذا الإعجاب والإقبال في الضعف شيئا فشيئا بتكرار سماعه حتى تستأنس به النفس فلا يعود يحدث فيها ما كان يحدثه في مبدأ توارده عليها . وليس هذا شأن القرآن ، فإنّه قد ثبت أنّ تكرار تلاوته تزيده تأثيرا . ولكنّه معجز لتسلّطه على النفس
--> ( 1 ) هود : 1 . اعجاز القرآن للرافعي : ص 209 - 229 . ( 2 ) إعجاز القرآن : ص 209 .