محمد هادي معرفة
124
التمهيد في علوم القرآن
وصوت النفس أوّل الأصوات الثلاثة التي لا بدّ منها في تركيب النسق البليغ ، حتى يستجمع الكلام بها أسباب الاتصال بين الألفاظ ومعانيها ، وبين هذه المعاني وصورها النفسيّة والأصوات الثلاثة هي : 1 - صوت النفس ، وهو الصوت الموسيقى الذي يكون من تأليف النغم بالحروف ومخارجها وحركاتها ومواقع ذلك من تركيب الكلام ونظمه . . . 2 - صوت العقل ، وهو الصوت المعنوي الذي يكون من لطائف التركيب في جملة الكلام ومن الوجوه البيانيّة التي يداور بها المعنى في أيّ جهة انتحى إليها . 3 - صوت الحسّ ، وهو أبلغهنّ شأنا ، لا يكون إلّا من دقّة التصوّر المعنوي والإبداع في تلوين الخطاب ، ومجاذبة النفس مرّة وموادعتها أخرى . وعلى مقدار ما يكون في الكلام البليغ من هذا الصوت ، يكون فيه من روح البلاغة ، بل صار كأنّه روح للكلام ذاته ، يبادرك الروعة في كلّ جزء منه كما تبادرك الحياة في كلّ حركة للجسم الحيّ ، كأنّه تمثيل بألفاظ لخلقة النفس ، في دقّة التركيب وإعجاز الصنعة . . . . . ولو تأمّلت هذا المعنى فضلا من التأمّل ، وأحسنت في اعتباره على ذلك الوجه ، لرأيته روح الإعجاز في هذا القرآن الكريم . . . وأعجب شيء في أمر هذا الحسّ الذي يتمثّل في كلمات القرآن ، أنّه لا يسرف على النفس ، ولا يستفرغ مجهودها ، بل هو مقتصد في كلّ أنواع التأثير عليها ، فلا تضيق به ولا تنفر منه ولا يتخوّنها الملال ، وهو يسوّغها من لذتها ويرفّه عليها بأساليبه وطرقه في النظم والبيان . . . . ولو تدبّرت ألفاظ القرآن في نظمها ، لرأيت حركاتها الصرفيّة واللغويّة تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة فيهيّئ بعضها لبعض ، ويساند بعضا ، ولن تجدها الّا مؤتلفة مع أصوات الحروف ،