محمد هادي معرفة

12

التمهيد في علوم القرآن

يعرضون فيها أنفس بضائعهم وأجود صنائعهم ، ألا وهي بضاعة الكلام وصناعة الشعر والبيان . وكانوا يتبارون فيها ، وينقدون ويتفاخرون ، ويتنافسون فيها أشدّ التنافس . . . . حتى إذا ظهر فيهم الدعوة ونزل القرآن . . فما أن تليت عليهم آياته إلّا والأسواق قد تعطّلت والأندية قد انفضّت ، وقد خلت الديار إلّا من رنّة صوت القرآن . وقد زحفهم ببراعته وهزمهم بصولته ، فلم يستطيعوا مباراته ولم يقدروا على مجاراته ، ففضّلوا على الفرار على القرار واستغشوا على رؤوسهم ثوب العار . ذلك على أنّه لم يسدّ عليهم باب المعارضة ، ولم يمانعهم التنافس فيه ، صارخا ومتحدّيا لهم أفرادا وجماعات : لو يأتوا بحديث مثله ! وقد عرض عليهم هذا التحدّي الصارخ في جرأة خارقة وصراحة بالغة ، مكرّرا عليهم ومتهكما بهم : أنّهم أعجز من أن تقوم قائمتهم تجاه صوت القرآن

--> بخمس عشرة سنة ، أي قبل مبعث النبي ( صلى للّه عليه وآله ) بخمس وعشرين عاما ( سنة 540 للميلاد ) وكانت وفود العرب تتوافد إليها من كل صوب . وزادت قريش بواعث الاجتماع إليها أنّهم جعلوها مسرحا للأدب والشعر ، تتسابق فيه القبائل لإظهار نوابغها من شعراء وخطباء ، فيتناشدون ويتفاخرون وكانوا يعرضون فيها نخب قصائدهم على نقدة القريض والكلام ويكون لذلك احتفال حاشد يشهد جماهير العرب ، فتشيع قصائدهم ويترنّم بها الركبان في كلّ صقع . وبقيت سوق عكاظ بعد الاسلام معرضا يتبادل فيه السلع ، حتى نهبها الخوارج الحروريّة حين خرجوا بمكة مع المختارين عوف سنة ( 129 ه ) . وكانت لهم أسواق أخر تبلغ العشرة كانت تقام في فواصل معيّنة من السنة في أمكنة متعدّدة ، وكانت تحت خفارات منتظمة في حمايات معيّنة ، ذكر تفصيلها اليعقوبي في تاريخه : ج 1 ص 239 . وكانت لهم أيضا مجالس يجتمعون فيها لمناشدة الأشعار ومبادلة الأخبار والبحث عن بعض شؤونهم العامة ، وكانوا يسمّون تلك المجالس ( الأندية ) ومنها نادي قريش ودار الندوة بجوار الكعبة . وكان لكلّ بيت من بيوت الأشراف فناء بين يديه للاجتماع ، ولكلّ قوم مجتمع عامّ في المضارب . على أنّهم كانوا حيثما اجتمعوا تناشدوا وتفاخروا وتبادلوا سلع الكلام وصناعات القريض والبيان . انظر : تاريخ الآداب العربية : ج 1 ص 195 ، وتاريخ التمدّن الاسلامي : ج 1 ص 37 كلاهما لجرجي زيدان . ودائرة المعارف لفريد وجدي : ج 6 ص 535 .