محمد هادي معرفة
104
التمهيد في علوم القرآن
فإن كان في المثل الأوّل جزاف ، فإنّ في المثل الثاني مبالغة ظاهرة . نعم كان الأوائل قد مهّدوا السبل لدراسات الآخرين وأسّسوا وأبدعوا وحازوا قصب السبق . وجاء اللاحقون ليستمروا على أثرهم على الطريقة المعبّدة من ذي قبل ، لكنّهم زادوا ونقّحوا وهذّبوا ، وبذلك نضجت الأفكار وتوسّعت العقول واكتملت الآراء والأنظار . أمّا الذي زاده الخلف على السلف في مسألة إعجاز القرآن ، فهو الذي لمسوه من تناسق نظمه البديع وتناسب نغمه الرفيع ، كانت لأجراس صوته الرصيف رنّة ، ولألحان موسيقاه اللطيف نسمة ونفخة قدسيّة ملكوتيّة ذات جذوة وجذبة ، لا يوجد لها مثيل في أيّ توقيع من تواقيع الموسيقى المعهودة ذات الأشكال والألوان المعروفة . إنّه منتظم على أوزان لا كأوزان الشعر ، وعلى قوافي السجع وليس بسجع ، ففيه خاصيّة النظم وهو نثر ، فهو كلام منظوم ومنثور في نفس الوقت ، كما هو مسجّع ومقفّى أيضا في عين الحال . ومع ذلك فهو ليس بأحدها ، وإنّما هو كلام فريد في نوعه وفذّ في أسلوبه ، إنّه كلام اللّه فوق كلام المخلوقين . هذا هو الذي أحسّته أرباب الفنون وأصحاب الأذواق الظريفة بشأن القرآن الكريم ، إذا تليت آياته على نهجها الأصيل ، ذات روعة وخلابة ، كما قال قائلهم : إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة . 1 - كتب سيد قطب في كتابه « التصوير الفني » فصلا عن الإيقاع الموسيقى في القرآن ، وذكر أنّ الموسيقيّ المبدع الأستاذ « محمد حسن الشجاعي » تفضّل بمراجعته وضبط بعض المصطلحات الفنّية الموسيقيّة عليه . . . جاء فيه : ان هذا الإيقاع متعدّد الأنواع ، ويتناسق مع الجوّ ، ويؤدي وظيفة أساسيّة في البيان . قال : ولما كانت هذه الموسيقى القرآنية إشعاعا للنظم الخاصّ في كلّ