محمد هادي معرفة

22

التمهيد في علوم القرآن

معنى محسوس . ونظير ذلك قوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ « 1 » دعا جهل العامّة بصفاته تعالى إلى فهم ساق له سبحانه ، في حين أن استعارة الساق للشدة عند العرب كان أمرا دارجا ، قال شاعرهم : « وقامت الحرب على ساق » « 2 » أي أخذت في شدّتها ، فهم عندما يستمعون إلى هذا الشعر لا يترددون في فهم الحقيقة ، إذ يعلمون أن لا رجل للحرب ولا ساق . أمّا في الآية الكريمة فيذهب وهمهم إلى وجود رجل له تعالى وساق ، ومن ثمّ ذهب بعضهم إلى عقيدة التجسيم ، تعالى اللّه عن ذلك . وقد ذهب سيدنا الطباطبائي - دام ظلّه - أيضا إلى هذا الرأي ، وذكر : ان سبب وقوع التشابه في القرآن يعود إلى خضوع القرآن - في إلقاء معارفه العالية - لألفاظ وأساليب دارجة ، هي لم تكن موضوعة لسوى معاني محسوسة أو قريبة منها ، ومن ثمّ لم تكن تفي بتمام المقصود ، فوقع التشابه فيها وخفي وجه المطلوب ، نعم ، إلّا على أولئك الذين نفذت بصيرتهم وكانوا على مستوى رفيع . قال تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ، فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً - إلى قوله - كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ، كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ « 3 » . وهكذا القرآن تحتمله الأفهام على قدر استعداداتها ، وفيه من المتشابهات ما تزول بتعميق النظر وإجادة التفكير ، فيبقى القرآن كله محكما مع الأبد بسلام « 4 » . وهكذا قال الشيخ محمد عبده : « انّ الأنبياء بعثوا إلى جميع أصناف الناس من دان وشريف ، وعالم وجاهل ، وذكي وبليد . وكان من المعاني ما لا يمكن

--> ( 1 ) القلم : 42 . ( 2 ) البرهان للزركشي : ج 2 ، ص 84 . ( 3 ) الرعد : 17 . ( 4 ) تفسير الميزان : ج 3 ، ص 58 - 62 بتلخيص واختزال .