محمد هادي معرفة

20

التمهيد في علوم القرآن

تعبيراته الكلامية - نفس الأساليب التي كانت دراجة ذلك العهد . الأمر الذي ضاق بتلك الألفاظ ، وهي موضوعة لمعان مبتذلة وهابطة إلى مستوى سحيق ، من أن تحيط بمفاهيم هي في درجة راقية وبعيدة الآفاق . كانت الألفاظ والكلمات - التي كانت العرب تستعملها في محاوراتها وتعابيرها - محدودة في نطاق ضيق حسبما كانت العرب تألفه من معان محسوسة أو قريبة من الحس ومبتذلة إلى حدّ ما . فجاء استعمالها من قبل القرآن - الكتاب الذي جاء للبشرية على مختلف مستوياتهم مع الأبدية - غريبا عن المألوف العام . ومن ثمّ قصرت أفهامهم عن إدراك حقائقها ما عدا ظواهر اللفظ والتعبير . إذ كانت الألفاظ تقصر بالذات عن أداء مفاهيم لم تكن تطابقها ، ومن ثمّ كان اللجوء إلى صنوف المجاز وأنواع الاستعارات ، أو الايفاء بالكناية ودقائق الإشارات . الأمر الذي قرّب المفاهيم القرآنية إلى مستوى أفهام العامّة من جهة ، وبعّدها من جهة أخرى ، قرّبها من جهة إخضاعها لقوالب لفظية كانت مألوفة لدى العرب . وبعّدها حيث سموّ المعنى ، كان يأبى الخضوع لقوالب لم تكن موضوعة لمثله ، كما كان يأبى النزول مع المستوى الهابط مهما بولغ في اخضاعه . إذا اللفظ يقصر عن أداء مفهوم لا يكون قالبا له ولا يتطابقه تماما . هذا هو السبب الأقوى لوقوع التشابه في تعبيرات القرآن بالذات ، كما مرّ من مسألة الأمر بين الأمرين ، وغيرها من مسائل كلامية غامضة تبحث عن شؤون المبدأ تعالى والمعاد ، ومسائل شؤون الخليقة وما انطوت عليه من أسرار وغوامض خافية على غالبية الناس . مثلا قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً « 1 » تعبير رمزي عن شأن الانسان - بصورة عامّة - في الأرض ، إنّه ذلك الموجود العجيب ، الذي يملك في ذاته قدرة جبارة يضيق عنها الفضاء ، وتخضع

--> ( 1 ) البقرة : 30 .