محمد هادي معرفة

10

التمهيد في علوم القرآن

من مصاحف وقراءات أخرى . لكن الجماعة الذين انتدبهم عثمان كانت تعوزهم كفاءة هذا الامر الخطير ، ومن ثم وقعت في نفس تلك المصاحف أخطاء املائية ومناقضات وبعض الاختلاف ، الامر الذي أعاد على المسلمين اختلافهم في قراءة القرآن . كان عثمان قد بعث مع كل مصحف من يقرئ الناس على الثبت الموحد في تلك المصاحف - على حساب انها موحدة - فبعث مع - المصحف المكي عبد اللّه بن السائب ، ومع الشامي المغيرة بن شهاب ، ومع الكوفي أبا عبد الرحمن السلمى ، ومع البصري عامر بن قيس . . . وهكذا « 1 » . وكان هؤلاء المبعوثون يقرءون الناس في كل قطر على حسب المصحف المرسل إليهم . ومن ثم عاد محذور الاختلاف ، نظرا لوجود اختلاف في ثبت تلكم المصاحف « 2 » مضافا إلى عوامل أخرى ساعدت على هذا الاختلاف « 3 » . فكان أهل كل قطر يلتزمون بما في مصحفهم من ثبت ، ومن هنا نشأ اختلاف قراءة الأمصار ، بدلا من اختلاف القراء ، الذي كان قبل ذاك . كانت القراءة قبل هذا الحادث تنسب إلى جامعي المصاحف ، اما الآن فتنسب إلى المصر الذي بعث اليه المصحف العثماني - غير الموحد تماما - فكانوا يقولون : قراءة مكة ، قراءة الشام ، قراءة المدينة ، قراءة الكوفة ، قراءة البصرة ، وهكذا . ومن ثم فان الغاية التي بذلت من اجلها جهود ، وثارت في سبيل تحققها ضجة جماعات كأصحاب عبد اللّه بن مسعود وغيره ، انها لم تنجح تماما ، وبقيت عوامل التفرقة والاختلاف تنفشى مع طول الزمان . كل ذلك مغبة تساهل الخليفة في امر توحيد المصاحف ، ولم يأخذ

--> ( 1 ) راجع : تهذيب الأسماء للنووي ق 1 ص 257 ، وشرح مورد الظمآن للمارغنى ص 16 . ( 2 ) تقدم تفصيل ذلك في الجزء الأول ص 349 . ( 3 ) سوف نشرحها في فصل قادم .