محمد هادي معرفة
69
التمهيد في علوم القرآن
ساعة نزول الوحي عليه إذا كان أهل السماوات لا تتحمّل وقع صوته المدهش . ثانيا : هذا النمط من الوحي الشديد الوقع على نفسه الكريمة ، كان يخصّ الوحي المباشر ، كما تقدّم حديثه . كما أنّ الرواية ذاتها تشي بهذا التفصيل ، حيث جعلت من النوع الأوّل مثل صلصلة الجرس ، فكان صوت الوحي النازل عليه مباشرة . ومن ثم قال ( صلى اللّه عليه وآله ) : وكان أشدّه عليّ ، وجعلت من النوع الثاني ما يكلّمه الملك مشافهة فيعي ما يوحى إليه في حينه ، لأنّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) كان حينئذ في حالته العاديّة . وزعم جلال الدين : أنّ النوعين اللذين أشارت إليهما الرواية : أحدهما ما كان الملك النازل بالوحي مختفيا . والآخر ما كان متمثّلا « 1 » وهذا مخالف لما يفهم من الرواية ذاتها ، كما نبّه بذلك شيخنا الصدوق « 2 » . ومرّ في حديث الإمام الصادق ( عليه السلام ) « 3 » . ثالثا : إنّ الجذبة الروحيّة القويّة في الصورة الأولى ربّما كانت توهم انفلات شيء من الوحي ، حينما يفقد ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) وعيه الظاهر . لكنه ( صلى اللّه عليه وآله ) تدارك هذا الوهم بأنّه كان بعد ما يتقشّع غشوته يجد كلّ ما أوحي إليه حاضرة ذهنه الشريف ، كأنّما كتب في كتاب ، ولم ينفلت منه شيء . وهذا معنى قوله ( صلى اللّه عليه وآله ) : « فيفصم عنّي وقد وعيت » . والسبب في ذلك : أنّ الوحي في صورة المباشرة كان يخالط لبّه ، ويتسرّب إلى أعماق وجوده ( صلى اللّه عليه وآله ) بما انفذه اللّه في قلبه الكريم « سَنُقْرِئُكَ
--> ( 1 ) الإتقان : ج 1 ص 44 . ( 2 ) كمال الدين : ص 85 . وبحار الأنوار : ج 18 ص 260 ح 12 . ( 3 ) محاسن البرقي : كتاب العلل ص 338 ح 121 . وبحار الأنوار ج 18 ص 271 ح 36 .