محمد هادي معرفة

59

التمهيد في علوم القرآن

تلك الحالة ، ولم يكن الإغفاء اغفاء نوم بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي « 1 » وآنف بمعنى : قبيل هذا الوقت . أقول لا شكّ أنّ سورة الكوثر مكيّة ، وهذا هو المشهور بين المفسّرين شهرة تكاد تبلغ التواتر . قالوا : نزلت بمكة عندما عابه المشركون بأنّه أبتر لا عقب له ، أو أنّه مبتور من قومه منبوذ . وهكذا لمّا مات ابنه عبد اللّه مشت قريش بعضهم إلى بعض متباشرين ، فقالوا : إنّ هذا الصابي قد بتر الليلة . قال ابن عباس : دخل رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) من باب الصفا وخرج من باب المروة ، فاستقبله العاص بن وائل السهمي ، فرجع العاص إلى قريش ، فقالت له قريش : من استقبلك يا أبا عمرو آنفا ؟ قال ذلك الأبتر - يريد به النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) - فأنزل اللّه - جلّ جلاله - سورة الكوثر ، تسلية لنفس نبيّه الزكيّة « 2 » . هذا وأنس عند وفاة النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) لم يبلغ العشرين ، إذ كان عند مقدمه ( صلى اللّه عليه وآله ) المدينة طفلا لم يتجاوز التسع وقيل : ثماني سنوات « 3 » ، فكيف نثق بحديث منه يخالف إطباق الأمّة على خلافه ، وأنّها نزلت بمكة في قصة جازت حدّ التواتر ؟ ! الأمر الذي يرجّح الوجه الأوّل من اختيار الإمام الرافعي ، أو نجعل من رواية أنس حبلها على غاربها ! نعم أخرج مسلم والبيهقي هذه الرواية من وجه آخر ، ليس فيه « أنزلت عليّ » . قال أغفى النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) إغفاءة ثم رفع رأسه فقرأ :

--> ( 1 ) الإتقان : ج 1 ص 23 . ( 2 ) راجع أسباب النزول للسيوطي بهامش الجلالين : ج 2 ص 142 . والدر المنثور : ج 6 ص 401 . ( 3 ) أسد الغابة : ج 1 ص 127 .