محمد هادي معرفة

39

التمهيد في علوم القرآن

* الإنسان لا يزال ينمو وتستحكم قواه الجسديّة إلى حدّ معيّن ، ثم يقف في مستوى واحد ، ومن بعده يأخذ في الهبوط والانتكاس تدريجيّا ، فهو إلى العقد الثالث من عمره - تقريبا - آخذ في النموّ الجسدي ، وإلى العقد الخامس هو على مستوى واحد وبعده يأخذ في ضعف تدريجي . حتى إذا طعن في السن يتسرّع هبوطه ضعفا فوق ضعف . « اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ » « 1 » . هذه طبيعة الإنسان الجسديّة . وأمّا حياته العقليّة فلا تتساوق مع ظاهرة الجسم في سرعة التبدّل والتغيّر ، فهو لا يزال ينمو في قواه العقليّة وتزداد حيويّة ونشاطا عبر العقود الخمسة من عمره ، فبينما الجسم آخذ في الهبوط التدريجي منذ العقد الرابع ، وإذا بالجانب العقلي من الإنسان بعد ، مستمر في طريقه إلى الكمال ، الأمر الذي يدلنا على أنّ في وجود الإنسان جانبين ، هو من أحدهما آخذ في الهبوط ومن الآخر آخذ في الصعود ، ذاك سائر في الاكتمال ، وهذا راجع في طريقه إلى الانتكاس . * قد يحصل نقص في عضو أو أعضاء من جسد الإنسان ، فيصبح الجسم ناقصا لا محالة ، لكن هذا النقص الجسدي لا يؤثّر نقصا في ذات الإنسان ، فهو هو بعد ، على كماله الإنساني الأوّل ، ليس الإنسان الذي فقد رجله أو يده أو عضوا آخر من جسده خارجيّا كان أم داخليّا ، إنسانا ناقصا في إنسانيّته ، وإن كان ناقصا في هيكله الجسدي ، ومن هنا نعرف أنّ في وجود الإنسان شيئين : روحا وجسدا ، والنقص في أحدهما لا يؤثّر نقصا في الآخر . وأمّا القولة المشهورة : العقل السليم في البدن السليم ، فتعني : أنّ الآلة كلّما كانت أسلم كان العمل بها أتقن ، نظرا لأنّ الروح يستخدم في فعالياته

--> ( 1 ) الروم : 54 .