محمد هادي معرفة

383

التمهيد في علوم القرآن

فقال : يا للداهية الدهياء ، لقد صار القرآن مثل علم اليازرجات واللوغارتمات والطلسمات والاصطرلابات وضرب الرمل والتنجيم وما شاكل ذلك من العلوم يزعمون نفاستها لما تحتويه من أسرار لا تنال إلّا بجهد جهيد وتلقّ طويل الأمد . هذا . . وقد قال تعالى : « ولقد يسّرنا القرآن للذكر » « 1 » . وأنتم تقولون أنّه أبعدهم منه وأضلّهم عنه ! فما أكبر هذا الزعم ! وما أعظم هذه الفرية ! قال : ولو تساء لنا : هل وضع رسم المصحف ليقرأ أو ليكون رمزا ويظلّ طلسما ، يتناقله القرّاء وحدهم ، ويلقّنونه لمن يريدون تلقينه ، ممّن يتزلّف إليهم بماله ونفسه ويمنعونه عمّن يرون منعه ممّن لم يرزق جاها ولا مالا ! قال : ولقد رأيت بعيني وسمعت بأذنيّ ، كثيرا من ذوي الثقافات والأدب يلحنون في قراءة القرآن ، لعدم انسهم بهذا الرسم الغريب وعدم معرفتهم بأساليب القراءة على وجهها المأثور « 2 » . لرأي الحاسم : هكذا يرجّح ابن الخطيب تصحيح رسم المصحف إلى ما يعرفه جمهور الناس واستقرّ عليه اصطلاح أرباب الثقافة اليوم . وهذا رأي جمهور المحقّقين ، ذهبوا إلى جواز تبديل الرسم القديم إلى الرسم الحاضر بعد أن لم يكن رسم السلف عن توقيف ، وإنّما هو اصطلاح منهم أو كانت الكتابة في بداءة أمرها غير متقنة ، أمّا مع تقدّم أساليب الكتابة وفيها من التوضيح ما يجعل امر القراءة سهلا على الجميع ، فلا بدّ من تغيير ذاك الرسم إلى المصطلح الحاضر الذي يعرفه كافة الأوساط وليكون القرآن في متناول عامّة الناس ، وفي ذلك تحقيق للغرض الذي نزل لأجله هذا الكتاب الخالد ليكون

--> ( 1 ) القمر : 17 . ( 2 ) الفرقان ( لابن الخطيب ) : ص 63 - 86 .