محمد هادي معرفة
378
التمهيد في علوم القرآن
وكيف تهتدي العقول إلى سرّ زيادة الألف في « مائة » دون « فئة » . وإلى سرّ زيادة الياء في « باييد » و « باييكم » ! أم كيف تتوصّل إلى سرّ زيادة الألف في « سعوا » في سورة الحج ، ونقصانها من « سعو » في سورة سبأ ! وإلى سرّ زيادتها في « عتوا » حيث كان . ونقصانها من « عتو » في سورة الفرقان ! وإلى سرّ زيادتها في « آمنوا » وإسقاطها من « بأو . جاؤ . تبوّؤ . فأو » بالبقرة ! ثم يقول : وكيف تتوصّل إلى حذف بعض التاءات وربطها في بعض ! فكلّ ذلك لأسرار إلهيّة وأغراض نبويّة . وإنّما خفيت على الناس لأنّها أسرار باطنيّة لا تدرك إلّا بالفتح الربّاني . فهي بمنزلة الألفاظ والحروف المقطّعة التي في أوائل السور ، فإنّ لها أسرارا عظيمة ومعاني كثيرة وأكثر الناس لا يهتدون إلى أسرارها ، ولا يدركون شيئا من المعاني الإلهيّة التي أشير إليها ، فكذلك أمر الرسم الذي في القرآن حرفا بحرف » « 1 » . * * * هذا وقد كشف بعضهم عن هذا السرّ الخفيّ ، وأبدى تمحّلات غريبة ، فزعم أنّ زيادة الألف في « لا اذبحنه » إنّما كانت للدلالة على أنّ الذبح لم يقع . وأنّ زيادة الياء في « والسماء بنيناها بأييد » للإيماء إلى تعظيم قوة اللّه التي بنى بها السماء ، وأنّها لا تشبهها قوّة ، على حدّ القاعدة المشهورة : زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني « 2 » . وقد أوضح في ذلك وأسهب أبو العباس المراكشي الشهير بابن البناء ( توفي سنة : 721 ه ) في كتابه « عنوان الدليل في مرسوم التنزيل » ، وبين أنّ هذه
--> ( 1 ) مناهل العرفان : ج 1 ص 375 - 376 نقلا عن ابن المبارك في كتابه « الإبريز » . ( 2 ) مقدّمة ( ابن خلدون ) : ص 419 . ومناهل العرفان : ج 1 ص 367 .