محمد هادي معرفة
36
التمهيد في علوم القرآن
* إنّنا نجد في كياننا الذاتي شيئا نعبّر عنه : ب « أنا » ، لا يمكننا التعبير عنه بغير هذا اللفظ ، كما لا نستطيع التعبير بهذا اللفظ عن أي شيء سواه في وجودنا . حينما نقول : « أنا » نقصد من أنفسنا وجودا باطنا هو الذي يشكّل كينونتنا الذاتيّة ، لا شيء آخر سواه ، فلا نعبّر عن أي جارحة من جوارحنا أو أي عضو من أعضائنا الجسدية ، ب « أنا » سواء أكانت أعضاء داخليّة كالقلب والكبد والمخ والمعدة وأمثالها ، أو كانت أعضاء خارجيّة كالرأس واليد والرجل والبطن وأمثالها كلّ ذلك لا يصحّ التعبير عنه ب « أنا » بل ولا عن الجسم كلّه . نعم عندما نريد النفس والذات - وهو وجود باطن حقيقيّ أصيل - نقول : أنا . فالإنسان في كينونة ذاته وجود آخر غير وجوده الجسدي الظاهر . * الإنسان يسند جميع ما في وجوده الجسدي - سواء كانت خارجيّة أم داخليّة - إلى نفسه ، فيقول : رأسي ، يدي ، رجلي ، قلبي ، مخّي ، بدني ، وهذا « المضاف إليه » في جميع ذلك ، شيء وراء تلك « المضافات » كلّها . الأمر الذي يدلّ على تباين ما بين الجسد وذلك الوجود الحقيقي الأصيل المنسوب إليه تلكم الأشياء . وأمّا إضافة النفس أو الروح إلى الذات : « نفسي » . « روحي » فهي من إضافة الشيء إلى نفسه كما في « ذاتي » بشهادة الوجدان بعدم فهم تغاير ما بين المضاف والمضاف إليه في ذلك ، على عكسها في إضافة أعضاء الجسد إلى النفس . * الإنسان ينسب جميع أفعاله وتصرّفاته وهكذا جميع حالاته وصفاته إلى نفسه ، يقول : تكلّمت ، تعلّمت ، أعطيت ، أخذت ، سافرت ، ذهبت ، بعت اشتريت . . . لا يريد بذلك إسنادها إلى شيء من جوارحه ، لا يريد أنّ لسانه هو الذي تكلّم . أو قلبه هو الذي تعلّم . أو يده هي التي أعطت أو أخذت . أو رجله هي