محمد هادي معرفة

335

التمهيد في علوم القرآن

والمقدرة والاستعداد ، وكانت كلّ نسخة منها تشتمل على ما جمعه صاحبها ، وما جمعه واحد لا يتّفق تماما مع ما جمعه آخرون . . كانت طبيعة الحال تقضي باختلاف في تأليف تلكم المصاحف ، أسلوبا وترتيبا وقراءة وغيرها . وقد تقدّم حديث ما بين مصاحف السلف من اختلاف . وهذا الاختلاف في المصاحف وفي القراءات ، كان بلا شكّ يستدعي اختلافا بين الناس ، عندما تجمعهم ندوة أو مناسبة ، على مختلف نزعاتهم واتجاهاتهم يومذاك . فربّما كان المسلمون يجتمعون في غزوة أو احتفال ، وهم من أقطار متباعدة ، فيقع بينهم نزاع وجدل ، وإنكار أحدهم على الآخر ، فيما يتعصّبون له من مذهب أو عقيدة أو رأي . نماذج من اختلاف العامّة : وفيما يلي عرض موجز عن نماذج من اختلاف العامّة على المصاحف فيما تعصّبوا له من قراءات أصحابها : 1 - في غزو مرج أرمينية : بعد ما قفل حذيفة راجعا من غزو الباب ( مرج أرمينية - آذربيجان ) قال لسعيد بن العاص ، وكان بصحبته : لقد رأيت في سفري هذا أمرا ، لئن ترك ليختلفنّ في القرآن ، ثم لا يقومون عليه أبدا ! قال سعيد : وما ذاك ؟ قال : رأيت أناسا من أهل حمص يزعمون أنّ قراءتهم خير من قراءة غيرهم ، وأنّهم أخذوا القرآن عن المقداد ، ورأيت أهل دمشق يقولون : إنّ قراءتهم خير من قراءة غيرهم ، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك ، وإنّهم قرءوا على ابن مسعود . وأهل البصرة يقولون مثل ذلك ، وإنّهم قرءوا على أبي موسى الأشعري ، ويسمّون مصحفه « لباب القلوب » . فلمّا وصل ركب حذيفة وسعيد إلى الكوفة ، أخبر حذيفة الناس ، بذلك ، وحذّرهم ما يخاف . فوافقه أصحاب رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) وكثير من التابعين .