محمد هادي معرفة

304

التمهيد في علوم القرآن

الذي ارتحل من بينهم في عهد قريب - ليل نهار - والاتصال بهم سهل التناول . لا سيّما وسور القرآن كانت مكتملة ، وبقي جمعها في مكان ، لا أكثر . إذن فقد كانت الأسباب مؤاتية والظروف مساعدة . أضف إليها : أنّ السلطة - وبيدها القدرة - إذا حاولت إنجاز هكذا عمل متهيّئ الأسباب ، فإنّه لا يستدعي طولا في مدة العمل بعد توفّر هذه الشروط . هذا وزيد لم يعمل سوى جمع القرآن في مكان وحفظه عن الضياع والانبثاث ولم يعمل فيه نظما ولا ترتيبا ولا أيّ عمل فكريّ آخر ، فإنّ هكذا عملا بسيطا لا يتطلّب جهودا طويلة ولا فراغا واسعا . نعم كانت الغاية من ذلك هي مراعاة المصلحة العامّة : حفظ القرآن عن الضياع ، الأمر الذي تحقّق بإيداع الصحف المشتملة على تمام القرآن في مكان أمين ولم يكن يومذاك احتياج إلى مراجعة تلك الصحف بعد أن كان حفظة القرآن وحاملوه منتشرين بين أظهر الناس بكثرة ، والناس يومذاك حافظون لجلّ آيات ترتبط والحياة المعيشيّة والسياسيّة وما أشبه . هذا . . وفي أواخر عهد عمر أصبحت نسخ المصاحف المحتوية على جميع آي القرآن وسوره كثيرة ، ومجموعة على أيدي كبار الصحابة الموثوق بهم رأى أنّ الحاجة العامّة إلى تلك الصحف المودعة عنده هبطت إلى درجة نازلة جدا ، ومن ثم تملّكها هو ، ولم تعد حاجة إليها سوى في دور توحيد المصاحف على عهد عثمان . جدارة زيد : وأمّا قضيّة اختيار مثل زيد لهكذا عمل خطير . . فقال الزرقاني : إنّ أبا بكر رأى بنور اللّه أن يندب لتحقيق هذا العمل رجلا من خيرة رجالات الصحابة ، هو زيد بن ثابت ، لأنّه اجتمع فيه من المواهب ذات الأثر في جمع القرآن ما لم يجتمع في غيره من الرجال ، إذ كان من حفّاظ