محمد هادي معرفة
228
التمهيد في علوم القرآن
واستثني أيضا - قوله : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » « 1 » . وصحّح هذا الاستثناء ابن العربي وغيره « 2 » وذلك لما أخرجه أبو محمد من طريق طارق عن عمر بن الخطاب ، قال : أسلمت رابع أربعين فنزلت « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » . وهكذا روي عن ابن عباس « 3 » . لكن يعارضه ما روي عن الكلبي ، قال : نزلت هذه الآية بالبيداء في غزوة بدر « 4 » وقال الواقدي : نزلت بالمدينة في بني قريظة وبني النضير « 5 » . هذا . . . وسياق الآية يشهد بمدنيّتها ، نزلت في إبان تشريع القتال ، سواء أمع المشركين أم مع أهل الكتاب . فالآية يسبقها قوله تعالى : « الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ . . . » « فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ . . . » . « وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ » . « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ . . . » « وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها . . . » . « وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ . . . » « 6 » . « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ . . . » . « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ . . . » « 7 » . انظر إلى هذا السياق المنسجم بعضه مع بعض انسجاما يجعلنا على ثقة من وحدة مترابطة نزلت جملة واحدة . وأيضا : لا معنى لكفاية أربعين رجلا أسلموا بمكة وهم على ضعف ما داموا فيها . الأمر الذي يؤكّد من نزول الآية بالمدينة حيث جعلت تزداد شوكة المؤمنين وتقوى جانبهم مع الأيّام والساعات ، فكانت فيهم الكفاية والكفاءة .
--> ( 1 ) الأنفال : 64 . ( 2 ) الإتقان : ج 1 ص 15 . ( 3 ) الدر المنثور : ج 3 ص 200 . ( 4 ) مجمع البيان : ج 4 ص 557 . ( 5 ) تفسير التبيان : ج 5 ص 152 . ( 6 ) الأنفال : 56 و 57 و 59 و 60 و 61 و 62 . ( 7 ) الأنفال : 64 و 65 .