محمد هادي معرفة
222
التمهيد في علوم القرآن
قلت تمسّك القائل بمدنيّة الآية ، بأنّ الصلاة والزكاة لم تفرضا بمكة « 1 » وهو استدلال غريب ، لأنّ الصلاة هي أولى فريضة فرضت بمكة « 2 » أمّا الزكاة فليست هي الزكاة المفروضة بحدود وأنصبة مقررة ، وإنّما هي مطلق التصدّق الذي كان واجبا حينذاك ، كما في قوله تعالى : « وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ » « 3 » وقوله : « الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ » « 4 » . نعم جاءت تفاصيل حدودها وأحكامها بالمدينة ، أمّا أصلها فكانت واجبة بمكة بلا شك . وليته تمسّك بقوله : « وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » والقتال لم يشرّع أصلا إلّا بالمدينة . لكنّه على تقدير أن يراد بالقتال : هو ما يقع فعليّا ، لا ما سيفرض وسيقع بعد ذلك ! والاحتمال الثاني أوجه ، نظرا إلى أنّه تعالى - في هذه الآية - يذكر أسباب رفع ذلك التكليف الأوّل الشديد وتبديله إلى تكليف آخر خفيف . ومن تلك الأسباب تشريع القتال بعدئذ ، من غير أن يكون هنا دليل صريح على إرادة فعليّته حينذاك . 39 - سورة المرسلات : مكيّة قالوا باستثناء : قوله : « وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ » « 5 » . قال مقاتل : نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) بالصلاة ، فقالوا : لا ننحني ، فإنّ ذلك سبّة علينا « 6 » وثقيف أسلمت بالمدينة . لكن وجه الآية وسياقها مع المكذّبين ، وهم مشركو العرب ، ولا معنى لأن يكون هذا الموضع من السورة خلوا من هذه الآية إلى أواخر سني الهجرة ثم تكتمل . إذ ذلك يخلّ بفصاحة السورة ويخلخل من نظمها المنسجم .
--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ص 382 . ( 2 ) راجع سيرة ابن هشام : ج 1 ص 259 . ( 3 ) المؤمنون : 4 . ( 4 ) فصلت : 7 . ( 5 ) المرسلات : 48 . ( 6 ) مجمع البيان : ج 10 ص 419 .