محمد هادي معرفة

186

التمهيد في علوم القرآن

أو قال : بثلاثين منهم مكانك ! وهكذا لمّا سمع المسلمون ذلك ، قالوا : لئن أمكننا اللّه منهم لنمثّلنّ بالأحياء منهم فضلا عن الأموات ، وقال بعضهم : لنمثّلنّ بهم مثلة لم يمثّلها أحد من العرب ! فنزل جبرئيل بالآية ، فكفّر النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) عن يمينه وأمسك عن الذي أراد . ! الثاني : أنّها نزلت يوم الفتح ، فهمّ المسلمون أن يقعوا في المشركين ، ويقتلوهم شرّ قتلة ، تشفّيا بما كانوا فعلوا بهم يوم أحد : كان قد أصيب من الأنصار يومذاك أربعة وستون ، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة بن عبد المطلب ، وقد مثّل بهم المشركون ! فقالت الأنصار : لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم ، فلمّا كان يوم فتح مكة ، وأمكن اللّه المسلمين من المشركين ، نزلت الآية للأخذ من حدّة المسلمين ، وأن لا يتجاوزوا حدود ما أنزل اللّه ! الثالث : أنّها عامّة في كلّ ظلم ، يحاول المظلوم الانتقام من الظالم ، بعد ما يمكّنه اللّه منه . وهذه الآية جاءت مزيجة بين الانتقام العادل والصفح الجميل ، الأمر الذي يتناسب مع حالة المسلمين يوم كانوا بمكة . ومن ثم قالوا : إنّها منسوخة بآية القتال . وهي نظيرة قوله تعالى : « وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ » وقوله : « فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ » « 1 » نزلت أوائل عهد المسلمين بالمدينة . وهذا الرأي الأخير هو الصحيح ، نظرا إلى سياق الآية نفسها ، ومناسبتها الوثيقة مع آيات قبلها وبعدها : قال تعالى : « ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . . » .

--> ( 1 ) البقرة : 190 و 191 .