محمد هادي معرفة

170

التمهيد في علوم القرآن

على الاجتهاد دون النقل « 1 » . ونحن إذ نستطرق هذا الباب ، نضرب عن كلّ ما قالوه بهذا الشأن صفحا ، إذا لم يكن مستندا إلى دليل مقبول . إذ لا شكّ أنّ الآيات كانت تسجّل تباعا في كلّ سورة بعد نزول بسملتها ، واحدة تلو أخرى ترتيبا طبيعيا حسب النزول . أمّا أن تبقى آية مكيّة غير مسجلة في سورة ، حتى تنزل سورة بالمدينة ثم تسجّل فيها ، فهذا أمر غريب خارج عن طريقة الثّبت المعروف ، كما أنّ آية مدنيّة تسجّل في سورة مكيّة بحاجة إلى نصّ صريح خاص وليس بالأمر الذي يتدخّل فيه الحدس أو الاجتهاد النظري ! قال ابن حجر : وأمّا نزول شيء من سورة بمكة ، ثم يتأخّر نزول أصل السورة إلى المدينة ، فلم أره إلّا نادرا ، فقد اتفقوا على أنّ الأنفال مدنيّة ، لكن قيل : إنّ قوله تعالى : « وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . » « 2 » نزلت بمكة ، ثم نزلت سورة الأنفال بالمدينة . وهذا غريب جدا « 3 » . وسوف نذكر بطلان هذه المزعومة ! وإليك نماذج من النوعين مردفة بما نشير إليه من تحقيق الرأي إجماليّا : استثناءات من سور مكيّة : 1 - سورة الفاتحة : مكيّة حكى أبو الليث السمرقندي قولا بأن نصفها نزلت بالمدينة . قال جلال الدين : لا دليل لهذا القول « 4 » . كما سبق : أنّها من أوائل ما نزلت بمكة كاملة ، وكان المسلمون يقرءون بها في الصلاة . * * *

--> ( 1 ) الإتقان : ج 1 ص 14 . ( 2 ) الأنفال : 30 . ( 3 ) فتح الباري : ج 9 ص 38 . ( 4 ) الإتقان : ج 1 ص 12 و 14 .