محمد هادي معرفة

123

التمهيد في علوم القرآن

في أثر الشيء ، وصرف ذلك إلى العلم به غير صحيح ، لأنّ الظاهر خلافه . ولم يقل القوم : لولا علمنا بنزوله جملة واحدة ، بل قالوا : لولا انزل إليك جملة واحدة . وجوابهم إذا كان انزل كذلك أن يقال : قد كان الذي طلبتموه ، ولا يحتجّ لإنزاله متفرّقا بما ورد بنزوله في تمام الآية . فأمّا قوله : « شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » « 1 » فإنّما يدلّ على أنّ جنس القرآن ( معظمه أو بدء شروعه ) نزل في هذا الشهر ، ولا يدلّ على نزول الجميع فيه . فأمّا قوله : « وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ » « 2 » فلا ندري من أي وجه دلّ على انّه انزل جملة واحدة . وقد كان أنّه - رحمه اللّه - يبيّن وجه دلالته على ذلك . وهذه الآية بأن تدلّ على أنّه ما انزل جملة واحدة أولى ، لأنّه تعالى قال « قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ » وهذا يقتضي أن في القرآن منتظرا ما قضى الوحي به وقوع منه . وقد كنّا سؤلنا إملاء تأويل هذه الآية قديما ، فأملينا فيها مسألة مستوفاة ، وذكرنا عن أهل التفسير فيها وجهين ، وضممنا إليهما وجها ثالثا تفردنا به . فأحد الوجهين : إنّه كان ( عليه السلام ) إذا نزل عليه الملك بشيء من القرآن قرأه مع الملك المؤدي له إليه قبل ان يستتمّ الأداء . حرصا منه ( عليه السلام ) على حفظه وضبطه . فأمر ( عليه السلام ) بالتثبّت حتى ينتهي غاية الأداء ، لتعلّق الكلام بعضه ببعض . والوجه الثاني : إنّه ( صلى اللّه عليه وآله ) نهى أن يبلّغ شيئا من القرآن قبل أن يوحى إليه بمعناه وتأويله وتفسيره . والوجه الثالث - الذي انفردنا به - إنّه ( صلى اللّه عليه وآله ) نهى عن أن يستدعي من القرآن ما لم يوح إليه به لأنّ ما فيه مصلحة منه لا بد من انزاله وإن

--> ( 1 ) البقرة : 185 . ( 2 ) طه : 114 .