جعفر شرف الدين

308

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور )

الراعي المربّي الذي يفتقر إليه كل شيء في الوجود ، وينقاد بأزمّته . وفي ذلك يقول جل ذكره : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 49 ) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 50 ) [ النحل ] . قال الإمام محمد عبده : « وقوله تعالى : اللَّهُ الصَّمَدُ ( 2 ) : يشعر بأنه [ سبحانه هو ] الذي ينتهي إليه الطلب مباشرة ، بدون واسطة ولا شفيع ، وهو في ذلك يخالف عقيدة مشركي العرب ، الذين يعتقدون بالوسائط والشفعاء ، وكثير من أهل الأديان الأخرى ، يعتقدون بأنّ لرؤسائهم منزلة عند اللّه ، ينالون بها التوسّط لغيرهم في نيل مبتغاهم ، فيلجئون إليهم أحياء وأمواتا ، ويقومون بين أيديهم ، أو عند قبورهم ، خاشعين خاضعين ، كما يخشعون للّه بل أشدّ خشية » « 1 » . وقد نفى القرآن كل وساطة بين العبد وربه ، وبيّن أن باب اللّه مفتوح على مصراعيه ، للضارعين والتائبين والسائلين ، فهو سبحانه قريب من عباده ، لا يحتاج إلى وساطة أو شفاعة ، قال تعالى : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ( 186 ) [ البقرة ] . وبذلك نرى ، أن اللّه سبحانه يرفع كلّ حجاب بينه وبين عباده ، ليتجهوا إليه بالمسألة حينما تنزل بهم بعض الخطوب ، أو حينما تصيبهم بعض الفواجع ، أو حينما يلتمسون أي مقصد من مقاصد الدنيا ، أو مقاصد الآخرة . قال تعالى : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] وقال سبحانه : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 55 ) [ الأعراف ] . وعلى ذلك ، فالإسلام ينكر بيع صكوك الغفران ، لأن المغفرة بيد اللّه وحده . وينكر الإسلام الاعتراف بالذنب لرجل الدين ، حتى تصحّ التوبة ، ويمحي الذنب ، إذ أساس الإسلام ، أن اللّه وحده هو المقصود في كلّ شيء : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ( 25 ) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ الشورى : 25 - 26 ] .

--> ( 1 ) . تفسير جزء عم ، للأستاذ الإمام محمد عبده ، ص 125 ، مطابع الشعب .