جعفر شرف الدين
8
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور )
لا يوم الاعتذار ، وقد جمعناكم والأوّلين أجمعين ، فإن كان لكم تدبير فدبّروه ، وإن كانت لكم حيلة في دفع العذاب عنكم فاحتالوا لتخليص أنفسكم من العذاب . وفي هذا تقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في الدنيا ، وإظهار لعجزهم وقصورهم حينئذ ، فهم في صمت كظيم ، وتأنيب أليم . والويل الشديد في ذلك اليوم للمكذّبين بالبعث والجزاء . [ الآيات 41 - 45 ] : إنّ المتّقين في ظلال حقيقية ، هي ظلال الأشجار على شواطئ الأنهار ، فلا يصيبهم حرّ ولا قرّ ، ويتمتّعون بما تشتهيه أنفسهم من الفواكه والمآكل الطيّبة . ومع التكريم الحسي يلقون ألوان التكريم المعنوي ، فيقال لهم على مرأى ومسمع من الجموع : كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 43 ) : جزاء بما عملتم في الدنيا من طاعة ربكم ، واجتهدتم في ما يقرّبكم من رضوانه ، فهل جزاء الإحسان في الدنيا إلّا الإحسان في الجنة ؟ . وبمثل هذا الجزاء نجزي كل الذين يحسنون في أعمالهم وأقوالهم ، وشأنهم الإحسان ، ويقابل هذا النعيم الويل للمكذّبين . [ الآيتان 46 - 47 ] : كلوا وتمتعوا قليلا في هذه الدار بقيّة أعماركم ، وهي قليلة المدى إذا قيست بالآخرة ، وهناك ستحرمون ، وتعذّبون طويلا : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 47 ) . [ الآيات 48 - 50 ] : وإذا قيل لهؤلاء المكذّبين اعبدوا اللّه وأطيعوه ، لا يستجيبون ولا يمتثلون ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 49 ) بأوامر اللّه ونواهيه ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ( 50 ) : أي إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل على تجلّيها ووضوحها ، فبأيّ كلام بعد هذا يصدّقون ؟ والذي لا يؤمن بهذا الحديث الذي يهزّ الرواسي ، وبهذه الهزّات التي تزلزل الجبال ، لا يؤمن بحديث بعده أبدا ، إنّما هو الشقاء والتعاسة والمصير البائس ، والويل المدّخر لهذا الشقيّ المتعوس . إن هذه السورة ببنائها التعبيري ، وإيقاعها المتناسب ، ومشاهدها العنيفة ، ولذعها الحاد ، حملة لا يثبت لها كيان ، ولا يتماسك أمامها إنسان ؛ فسبحان الذي نزّل القرآن وأودعه ذلك السلطان .