جعفر شرف الدين
59
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور )
في حياة المسلمين ، من مجرّد أن يكون نظاما سياسيّا للدولة ، فهو طابع أساسي للجماعة كلها ، يقوم على أمرها كجماعة ، ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة ، بوصفها ممثّلة للجماعة . والتأمّل في صفات المؤمنين ، يوحي بأن الإسلام دين القيم ، دين يهتم بالجوهر لا بالعرض ، وبتكوين النفس البشرية لا بالقيم الزائلة . فما قيم الجماعة المؤمنة ؟ إنها الإيمان ، والتوكل ، واجتناب كبائر الإثم والفواحش ، والمغفرة عند الغضب ، والاستجابة للّه ، وإقامة الصلاة ، والشورى الشاملة ، والإنفاق ممّا رزق اللّه ، والانتصار من البغي ، والعفو والإصلاح والصبر . وبهذه القيم تحوّل العرب من أشتات مختلفين إلى أمّة متماسكة ، متراحمة مؤمنة باللّه مستقيمة على هداه وتعاليمه ، فوطّأ اللّه لهم أكناف الأرض ، وصاروا خير أمة أخرجت للناس . وبعد تقرير صفة المؤمنين ، وما ينتظرهم من عون وإنعام ؛ تعرض الآيات في الصفحة المقابلة ، صورة الظالمين الضّالّين ، وما ينتظرهم من ذلّ وخسران في يوم القيامة : يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ( 44 ) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ . وفي ظل هذا المشهد ، نجد القرآن الكريم ، يدعو الناس إلى إنقاذ أنفسهم من مثل هذا الموقف ، قبل فوات الأوان : اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ [ الآية 47 ] . ويمضي سياق السورة حتى ختامها ، يدور حول محور الوحي والرسالة ، وأثرهما في صفات المؤمنين ، مع بعض الاستطراد إلى وصف الكافرين ، وبيان صفات اللّه الخالق الوهّاب ، القابض الباسط ، قال تعالى : لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 50 ) . ويعود السياق في نهاية السورة ، إلى الحديث عن طبيعة الوحي وطريقته . وهناك ارتباط ظاهر بين الحديث عن