جعفر شرف الدين
148
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور )
ظنّوه مطرا مفيدا لهم : فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ ( 24 ) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 25 ) . وتقول الروايات إنه أصاب القوم حرّ شديد ، واحتبس عنهم المطر ، ودخن الجوّ حولهم من الحرّ والجفاف ، ثم ساق اللّه جلّ جلاله إليهم سحابة ففرحوا بها فرحا شديدا وخرجوا يستقبلونها في الأودية وهم يحسبون فيها الماء قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا . وجاءهم الرد بلسان الواقع بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ ( 24 ) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها . . وهي الريح الصرصر العاتية التي ذكرت في سورة أخرى كما جاء في صفتها : ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ( 42 ) [ الذاريات / 42 ] . لقد اندفعت الريح تحقّق أمر اللّه ، وتدمر كل شيء بأمر اللّه ، فهلك القوم بجميع ما يملكون من أنعام ومتاع وأشياء ، وبقيت مساكنهم خالية موحشة لا ديّار فيها ولا نافخ نار . ويلتفت السياق إلى أهل مكة يلمس قلوبهم ، ويحرك وجدانهم ، ويذكّرهم بأنّ الهالكين كانوا أكثر منهم تمكّنا في الأرض ، وأكثر مالا ومتاعا وقوّة وعلما . فلم تغن عنهم قدرتهم ولا قوتهم ، ولم يغن عنهم ثراؤهم . ولم ينتفعوا بسمعهم وأبصارهم وأفئدتهم ، بل أصمّوا قلوبهم عن سماع الحق ، ولم تغن عنهم آلهتهم التي اتّخذوها تقرّبا إلى اللّه . وكذلك يقف المشركون في مكة أمام مصارع أسلافهم من أمثالهم ، فيقفون أمام مصيرهم هم أنفسهم ، ثمّ أمام الخطّ الثّابت المطّرد المتّصل ، خط الرسالة القائمة على أصلها الواحد الذي لا يتغيّر ، وخط السنّة الإلهيّة التي لا تتحوّل ولا تتبدّل . وتبدو شجرة العقيدة عميقة الجذور ، ممتدّة الفروع ، ضاربة في أعماق الزمان ، سنّة واحدة ، على اختلاف القرون واختلاف المكان . لقد أهلك اللّه القرى التي كذّبت رسلها في الجزيرة ، كعاد بالأحقاف في جنوب الجزيرة ، وثمود بالحجر في شمالها ، وسبأ وكانوا باليمن ، ومدين ، وكانت في طريقهم إلى الشام ، وكذلك قرى قوم لوط وكانوا يمرون بها في رحلة الصيف إلى الشمال .