ابراهيم الأبياري

336

الموسوعة القرآنية

ومنهم من يزعم أنه مفترى فلذلك لا يأتي بمثله . ومنهم من يزعم أنه دارس وأنه أساطير الأولين . ولو جاز أن يكون بعضه مكتوما جاز على كله . ولو جاز أن يكون بعضه موضوعا جاز ذلك في كله ، فثبت من هذا أنه تحدى إليه ، وأنهم لم يأتوا له بمثل . فإذا ثبت هذا وجب أن يعلم أن تركهم للإتيان بمثله كان لعجزهم عنه . والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن أنه تحداهم إليه حتى طال التحدي ، وجعله دلالة على صدقه وثبوته . وتضمن أحكامه استباحة دمائهم وأموالهم وسبى ذريتهم ، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه بأمر قريب هو عادتهم في لسانهم ، ومألوف من خطابهم ، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال وإكثار المراء والجدال ، وعن الجلاء عن الأوطان ، وعن تسليم الأهل والذرية للسبى . فلما لم يحصل هناك معارضة منهم على أنهم عاجزون عنها . ومعلوم أنهم لو عارضوه بم تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره ، وتكذيب قوله ، وتفريق جمعه ، وتشتيت أسبابه ، وكان من صدق به يرجع على أعقابه ، ويعود في مذهب أصحابه . فلما لم يفعلوا شيئا من ذلك مع طول المدة ، ووقوع الفسحة ، وكان أمره يتزايد حالا فحالا ، ويعلو شيئا فشيئا ، وهم على العجز عن القدح في آيته ، والطعن في دلالته ، علم أنهم كانوا لا يقدرون على معارضته ولا على توهين حجته . وقد أخبر اللَّه تعالى عنهم أنهم قوم خصمون وقال : وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا وقال : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وعلم أيضا أن ما كانوا يقولونه من وجوه اعتراضهم على القرآن مما حكى اللَّه عز وجل عنهم من قولهم : لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وقولهم : ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ وقالوا : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ