ابراهيم الأبياري
328
الموسوعة القرآنية
من كل نوع شعبة ، فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة ، وهما على الانفراد في نعومتهما كالمتضادين ، لأن العذوبة نتاج السهولة ، والجزالة والمتانة يعالجان نوعا من الذعورة ، فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبوّ كل واحد منهما على الآخر فضيلة خص بها القرآن ليكون آية بينة لنبيه صلّى اللَّه عليه وسلم . وإنما تعذر عن البشر الإتيان بمثله لأمور : منها : أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني ، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ ، ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض ، فيتواصلوا باختيار الأفضل من الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله ، وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة : لفظ حاصل ، ومعنى به قائم ، ورباط لهما ناظم . وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا من الألفاظ ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ، ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشدّ تلاوة وتشاكلا من نظمه . وأما معانيه فكل ذي لبّ يشهد له بالتقدم في أبوابه ، والترقي إلى أعلى درجاته ، وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على الفرق في أنواع الكلام : فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه ، فلم توجد إلا في كلام العليم القدير . نخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التألف مضمنا أصح المعاني من توحيد اللَّه تعالى ، وتنزيهه في صفاته ، ودعائه إلى طاعته ، وبيان لطريق عبادته ، من تحليل وتحريم وحظر وإباحة ، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهى عن منكر ، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق ، وزجر عن مساويها ، واضعا كل شئ منها موضعه الذي لا يرى شئ أولى منه ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه ، مودعا أخبار القرون الماضية ، وما نزل من مثلات اللَّه بمن مضى ، وعائد منهم منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الآتية من الزمان ، جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ، ليكون ذلك آكد للزوم ما دعا عليه وأداء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه .