ابراهيم الأبياري
378
الموسوعة القرآنية
ويقول محمد بن إسحاق : أول من كتب المصاحف في الصدر الأول ويوصف بحسن الخط : خالد بن أبي الهياج . رأيت مصحفا بخطه ، وكان « سعد » نصبه لكتب المصاحف ، والشعر والأخبار للوليد بن عبد الملك ، وهو الذي كتب الكتاب الذي في قبلة مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم بالذهب من وَالشَّمْسِ وَضُحاها إلى آخر القرآن . ويقال إن عمر بن عبد العزيز قال له : أريد أن تكتب لي مصحفا على هذا المثال . فكتب له مصحفا تنوّق فيه . فأقبل عمر يقلّبه ويستحسنه واستكثر ثمنه فردّه عليه . ومالك بن دينار مولى أسامة بن لؤي بن غالب ، ويكنى : أبا يحيى . وكان يكتب المصاحف بأجر . ومات سنة ثلاثين ومائتين . ثم أورد ابن إسحاق نفرا من كتاب المصاحف بالخط الكوفي وبالخط المحقق المشق ، وقد رآهم جميعا . والذي لا شك فيه أن هذه الأقلام المختلفة تبارت في كتابة المصحف ، كما كتب بأقلام غير هذه ، ذكر منها الكردي في كتابه ( تاريخ الخط العربي ) قلمين هما : سياقت ، وشكسته ، وأورد لهما نماذج . وظلت المصاحف على هذه الحال إلى أن ظهرت المطابع سنة 1431 م ، وكان أول مصحف طبع بالخط العربي في مدينة « همبرج » بألمانيا ، ثم في « البندقية » في القرن السادس عشر الميلادي . وحين أخذت المطابع تشيع كثر طبع المصحف ، إذ هو كتاب المسلمين الأول وعليه معتمدهم . 21 - تجزئة المصحف ولقد سقنا لك الحديث عن عدد سور القرآن ، وعدد كلماته ، وعدد حروفه ، وما نظن هذا كله بدأ مع السنين الأولى أيام كان المسلمون مشغولين بجمع القرآن وتدوينه ، عهد أبى بكر وعمر ، ثم عهد عثمان ، وما نظنه إلا تخلّف زمنا بعد هذا إلى أيّام الحجّاج . ولقد كان المسلمون والوحي لا يزال متصلا ، يختصون يومهم بنصيب من القرآن ، يخلون إلى أنفسهم ساعة من يومهم هذا يتلون فيها ما تيسّر ، يفرض كلّ منهم على نفسه جزءا بعينه ، وإلى هذا يشير ما روى عن المغيرة بن شعبة ، قال : استأذن رجل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو بين مكة والمدينة ، فقال : إنه قد فاتنى الليلة جزئي من القرآن ، فإني لا أوثر عليه شيئا « 1 » . وما نشك في أن هذه التجزئة كانت فرديّة ، أي إن مرجعها كان لكلّ فرد على حدة ، ونكاد نذهب إلى أنها لم تكن على التّساوى .
--> ( 1 ) المصاحف ( ص : 118 ) .