ابراهيم الأبياري
309
الموسوعة القرآنية
والدعوات عجلة بقدر ما هي مستأنية ، تستأنى وتطيل الاستثناء ما وجدت في هذا الاستئناء الخير ، وتعجل فتسرع إلى العجلة ما وجدت في هذه العجلة الخير . ولقد تلبث الرسول بمن معه من المسلمين ثلاثة عشر عاما - كما قلت لك - لا يحب أن يخرج بالمسلمين عن الصبر والاحتمال لأسباب بينتها لك ، حتى إذا ما نفدت حكمة الصبر كانت حكمة الخروج عن الصبر . ولقد خرج المسلمون من المدينة في تلك السرايا والبعوث والغزوات ليثبتوا للملإ من حولهم أنهم خرجوا عن صبرهم ، وليثبتوا للملإ من حولهم أنهم قوة تملك أن ترهب . ولا غرو أن نرى هذا الشق الأول كله يمضى في التعرض لعير بعد عير ، فلقد كان هذا أسلوب ذلك العصر في الإرهاب ، وما أراد المسلمون غير أن يهابوا ويرهبوا وأن يبادلوا جيرانهم هذا الأسلوب الإرهابي . ولم يكن فيه عليهم غضاضة ، فلقد رأيتهم في كل ما فعلوا لم يقصدوا إلا الإعلان عن خروجهم ، ولقد فاتتهم العير في الكثير من خرجاتهم ، وحين التقوا بخصومهم مرة كان هذا الصلح الذي ثم بين حمزة وأبى جهل في البعث الأول ، ثم لقد رأيت كيف عاتب الرسول أصحابه على ما كان منهم في نخلة . إذن لم يكن صحيحا ما اتهم به المغرضون محمدا وأصحابه عن هذا الشق الأول من الحروب بأنها كانت للسلب ، فلقد رأيت معي كم سلب المسلمون فيها وكم عيرا لقوا . والصحيح كما ثبت لك أن هذه الحروب - إن صح أنها كانت حروبا - لم يقصد منها المسلمون إلا الذي حدثتك عنه ، وأنها لم تكن غير وثبة بعد صبر طويل ، وكانت وثبة تحكى وثبات العصر في شئ وتخالفه في شئ ، تحكيه في مظهرها الإرهابي وتخالفه في مظهرها السلبي .