علي بن يوسف القفطي
50
إنباه الرواة على أنباه النحاة
وقد كنت لقرب داره أستفيد من مذاكرته أنواع الفضل ، إلى أن انتقلت عن جواره إلى محلَّة الجهل ، ولزمت جانب المنزل ، وأصبحت عن إيناس النّاس بمعزل ، ففاتتنى فوائده ، وانفردت عنّى فرائده ، ولى أعوام ما حظيت منه بنظرة ، وذلك لتقدير ؛ إذ اللَّقاء مقدّر لا لنفرة ، ومع هذا فإنني أسمع فوائده من تلاميذه المشتغلين ، وألتقط فرائده من أصحابه المقيمين والمنتقلين ، فتقوم عندي مقام شخصه وإن غاب ، وتنوب عنه في الإفادة وان لم يغن عنه مناب ، وهو إلى وقت هذا التأليف متصدر لإفادة ( 1 ) ما هو بصدده ، يعذب لكلّ قاصد إلى فضله عذب مورده ، وينثال عليه أجلَّة الأصحاب ، مستسقين لفضله استسقاء السحاب . مولده لثلاث خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ، ورحل من حلب في صدر عمره ليدرك ابن الأنباري ( 2 ) وطبقته ، ولمّا وصل إلى الموصل بلغته وفاته ، فوقف حيث انتهى وسمع شيئا من الحديث وعاد . واجتمع بالكنديّ ( 3 ) - بدمشق عندما عزم على التصدّر والإقراء ، وسأل الكنديّ عن إعراب كلمة ( 4 ) وردت في المقامات ، فقال له الكنديّ عند إبهام جوابها عليه : قد علمت قصدك ، وأنك أردت إعلامى مكانتك من هذا العلم . وكتب له خطَّه بمدحه والثناء عليه ، ووصف تقدّمه في هذا النّوع الأدبي .
--> ( 1 ) في الأصلين : « للإفادة » . ( 2 ) هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللَّه الأنباري أبو البركات المتوفى سنة 577 . ( 3 ) هو زيد بن الحسن بن زيد التاج أبو اليمن الكندي المتوفى سنة 613 . ( 4 ) حاشية ب : الذي سأل عنه في المقامة العاشرة الرحبية قوله : « فلما لألأ الأفق ذنب السرحان وآن انبلاج الفجر وحان » ، وهل الأفق وذنب السرحان مرفوعان أو منصوبان ، أم الأفق مرفوع وذنب السرحان منصوب ، أو بالعكس ؟ والأربعة أوجه جائزة والمختار نصب الأفق ورفع ذنب السرحان . وانظر مقامات الحريري ص 95 .