مجموعة مؤلفين

58

موسوعة تفاسير المعتزلة

فقوله : أُحِلَّ لَكُمْ معناه أن الذي كان محرما على غيركم فقد أحل لكم . وأما الحجة الثالثة : فضعيف أيضا ، وذلك لأن تلك الحرمة كانت ثابتة في شرع عيسى عليه السلام ، وأن اللّه تعالى أوجب علينا الصوم ، ولم يبين في ذلك الإيجاب زوال تلك الحرمة فكان يخطر ببالهم أن تلك الحرمة كانت ثابتة في الشرع المتقدم ، ولم يوجد في شرعنا ما دل على زوالها فوجب القول ببقائها ، ثم تأكد هذا الوهم بقوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ( البقرة : 183 ) فإن مقتضى التشبيه حصول المشابهة في كل الأمور ، فلما كانت هذه الحرمة ثابتة في الشرع المتقدم وجب أن تكون ثابتة في هذا الشرع ، وإن لم تكن حجة قوية إلا أنها لا أقل من أن تكون شبهة موهمة فلأجل هذه الأسباب كانوا يعتقدون بقاء تلك الحرمة في شرعنا ، فلا جرم شددوا وأمسكوا عن هذه الأمور فقال اللّه تعالى : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ وأراد به تعالى النظر للمؤمنين بالتخفيف لهم بما لو لم تتبين الرخصة فيه لشددوا وأمسكوا عن هذه الأمور ونقصوا أنفسهم من الشهوة ، ومنعوها من المراد ، وأصل الخيانة النقص ، وخان وأختان وتخون بمعنى واحد كقولهم : كسب واكتسب وتكسب ، فالمراد من الآية : علم اللّه أنه لو لم يتبين لكم إحلال الأكل والشرب والمباشرة طول الليل أنكم كنتم تنقصون أنفسكم شهواتها وتمنعونها لذاتها ومصلحتها بالإمساك عن ذلك بعد النوم كسنة النصارى . وأما الحجة الرابعة : فضعيفة لأن التوبة من العباد الرجوع إلى اللّه تعالى بالعبادة ومن اللّه الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان ، وأما العفو فهو التجاوز فبين اللّه تعالى إنعامه علينا بتخفيف ما جعله ثقيلا على من قبلنا كقوله : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ( الأعراف : 157 ) . وأما الحجة الخامسة : فضعيفة لأنهم كانوا بسبب تلك الشبهة ممتنعين عن المباشرة ، فلما بين اللّه تعالى ذلك وأزال الشبهة فيه لا جرم قال : فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ . وأما الحجة السادسة : فضعيفة لأن قولنا : هذه الآية ناسخة لحكم كان مشروعا لا تعلق له بباب العمل ولا يكون خبر الواحد حجة فيه ، وأيضا