مجموعة مؤلفين

146

موسوعة تفاسير المعتزلة

القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقوفها ، وقال : وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [ هود : 7 ] أي بناؤه ، وإنما ذكر اللّه تعالى ذلك لأنه أعجب في القدرة ، فالباني يبني البناء متباعدا عن الماء على الأرض الصلبة لئلا ينهدم ، واللّه تعالى بنى السماوات والأرض على الماء ليعرف العقلاء قدرته وكمال جلالته . والاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر ، والدليل عليه قوله تعالى : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ ( 12 ) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ [ الزخرف : 12 - 13 ] قال أبو مسلم : فثبت أن اللفظ يحتمل هذا الذي ذكرناه ، فنقول : وجب حمل اللفظ عليه ، ولا يجوز حمله على العرش الذي في السماء ، والدليل عليه هو أن الاستدلال على وجود الصانع تعالى ، يجب أن يحصل بشيء معلوم مشاهد ، والعرش الذي في السماء ليس كذلك ، وأما أجرام السماوات والأرضين ، فهي مشاهدة محسوسة ، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصانع الحكيم جائزا صوابا حسنا . ثم قال : ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ إشارة إلى تخليق ذواتها ، وقوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يكون إشارة إلى تسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لمصالحها ، وعلى هذا الوجه تصير هذه الآية موافقة لقوله سبحانه وتعالى : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ( 28 ) [ النازعات : 27 - 28 ] فذكر أولا أنه بناها ، ثم ذكر ثانيا أنه رفع سمكها فسواها . وكذلك ههنا ، ذكر بقوله : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أنه خلق ذواتها ثم ذكر بقوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أنه قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها « 1 » .

--> ( 1 ) الرازي : التفسير الكبير ج 17 ص 12 . وأيضا ص 187 ( قطعة من الكلام ) .